عندما كنت طفلة صغيرة كنت أسبق سنّي بسنوات، بتفكيري وسلوكي وتعاملي مع الحياة..

من عمر تسع سنوات إلى خمسة عشر سنة عشت مع جدتي بعد وفاة جدّي كنت اهتم بها، ارتب المنزل، أحممها، وأسرّح شعرها، كانت ملتزمة بالصلوات على وقتها وتجبرني على ذلك، وفي الصباح الباكر بعد أن ننهي الفجر ونستمع لمحاضرة الشّعراويّ تُحبّ تجهيز القهوة العربية و تناول الإفطار وتبادل أطراف الحديث.

خلال النهار يأتي من يأتي لزيارتها ثم نعود وحيدتين في الليل تؤنسني وأؤنسها..

كانت تغضب ان غبت لعدد من السّاعات، كنت أشعر أحيانًا أن ذلك تضييقًا؛ لكنني اليوم أدركت أن لا أحد كان يُحِب مثلها!

توفّيت جدتي وانا في سنّ الخامسة عشر فعدت عند أمي وإخوتي في تجربة حياة جديدة!

في المدرسة كانت علاقتي ودّية مع معلماتي على عكس زميلاتي التي كانت تكثر بينهن المشاحنات، كانت المعلمات تشيد بأخلاقي ويخبرن أمي أنني وردة المدرسة، في الرحلات كنت أفضل وقتي معهنّ لأن زميلاتي طائشات، وفي أوقات الفراغ داخل المدرسة العب معهن الرّيشة، وأساعدهنّ في كثير من المبادرات.

لم أكن أكترث كثيرًا للدراسة مثل أوائل الصّف ولم أكن أيضًا أهملها بشكل مبالغ، اركّز في شرح المعلمة وعند الامتحان اتصفّح الكتاب، بإستثناء الصف العاشر الذي اهتممت به قليلا لأنها آخر سنة لي في مدرستي القديمة وعقدت العزم على أن لا أخرج منها إلا ومعي شهادة تقدير واحدة على الأقل وبفضل الله حصلت على ذلك.

في المنزل كنت العنصر الأكثر فاعليّة، أشعر أنني سيدة المنزل عندما أرتب المنزل وأغسل الأطباق ولا يتوقف الأمر عندي هنا بل أعمل بشكل دقيق كأن عملية جراحية سوف تُجرى في منزلنا؛ يبدأ الأمر بسيطًا بتحريك الأثاث من مكانه وينتهي بي المطاف لا شيء في الغرفة سواي والجدران أغسلها تمامًا كما أغسل الأطباق!

لكنني بعد عدة سنوات أصبحت أشبه بسندريلا؛ لا خيار لي إنّما مفروض علي ذلك بوجود آخرين معتمدين على وجودي لهذا!

كنت أرى أن على الرّجل العمل خارج المنزل لتأمين إحتياجات أهله، وعلى المرأة أن تقرّ في بيتها تنظّفه وتهتم بأطفالها وتكون مصدر الدّفئ والحنان لعائلتها!

ولا أعتبر ذلك إهانة أو ضعفًا للمرأة أبدًا؛ بل تعظيمًا لها أن تبقى في منزلها وكل ما تطلبه يحضر عندها، وقوة لا يمكن للرجال امتلاكها حيث أنها تحمِلُ وتَلِد وتُنشئ جيلًا غايته رضا الله والآخرة!

لم تكن أحلامي مشروطة بإنهاء الثانويّة أو الجامعة بل لم أكن أكترث لها إطلاقًا!

كان حلمي أنني عندما أصبح في سن معيّن أتزوّج بشخص نّبيل يعرف ان عليه مسؤولية خارج المنزل وعلى زوجته مسؤولية داخله!

ويعرف أن التربية مسؤولية مشتركة لا يجب تركها على احد الأطراف دون الآخر، يحب أطفاله ويحتويهم ويقدّر زوجته، يحترمها، يستشيرها، يأخذ برأيها، ويناقشها سواء في وضع الأسرة أو المجتمع أو في كتاب ما!

يكون سندًا لها وتكون حضنًا يحتويه..

لكن القدر كان رأيه مُغايرًا؛ أتممت الثانوية والجامعة بفضل الله ثم إصرار أمّي!

وفي ذلك الوقت الذي انقضى بهتت أحلامي بل حتى لم أعد أكترث لتحقيقها؛ كانت معضلتي ليست مع الدراسة ولا مع العمل ولا حتى اصرار امي، كانت مع الأسباب الخفية وراء كل ذلك!

في عصرنا الحالي على الفتاة أن تدرس ليس لأن العلم فريضة؛ بل لتحصل على عمل يوفّر لها دخلًا حتى لا تحتاج أحدًا! بالإضافة إلى نقطة مهمة حتى ان تزوجت وتطلقت تعرف كيف تتدبّر أمرها!

أصبح الغالب من الرجال يرى أنها تكسب من نفسها فيُقلّص مسؤوليته تجاهها، وبعضهم من البداية يريد أن يتزوج موظّفة فما يلبث قليلًا حتى يبدأ بإستغلال دخلها!

وفي بعض الأحيان ترى أن الرجل يبقى في المنزل في الحين الذي تعمل به المرأة في الخارج جاهدة لتحافظ على منزلها!

كل منهما قد أخذ مهمة الآخر فاختلّ توازن الأُسَر، فنتج جيل متفكك، قلت رغبة الفتيات في الزواج لإعتمادهن على أنفسهم، وأصبح الرجل عاطل عن العمل لزحمت النّساء به، كثرت حالات الطّلاق وفسد المجتمع!

في الحقيقة ليست هذه القضية ما وددت طرحها!

بل أتساءل الآن، فتاة مثلي كانت لديها أحلام بريئة كتلك، لم تكترث للدراسة حتى أنها تخرّجت بأقل التقديرات لأنها لا تريد العمل وترى من حقها أن تقرّ في منزلها وأن يكون رجال بيتها مسؤولين عنها، لكن الحياة لم تلائم فطرتها لا هي بالتي نالت ما تمنت ولا بالتي واكبت الحياة مجبرة ما عليها أن تفعل؟

فتاة عاشت في اسرة متفككة وأثبت لها المجتمع ذلك كيف لها أن تؤمن بحقيقة البشر الآن؟

لم يعد حلمي بناء ذلك المنزل ولا قدرة لي على العمل في مجال تخصصي لأنني اهملته من البداية، وعائلتي لا تخلوا من الضّجيج فماذا أفعل؟

لا أرى وصفًا يليق بحالي غير "من يُدرك مبكّرًا يشيخ مبكّرًا"..!