حين يتبخر الأمل في نفوس الطلاب

حين يتبخر الأمل في نفوس الطلاب

منذ أن كنا صغارًا، كان الجميع يسألنا: ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟ كان بعضنا يجيب بما يحبه ويحلم به، بينما يجيب آخرون بشكل عشوائي، لأنهم لم يكونوا قد رسموا هدفًا واضحًا بعد.

كبرنا، وتعلمنا، ودرسنا، واجتزنا الامتحانات. نجحنا أحيانًا، وفشلنا أحيانًا أخرى. تعبنا، وضحكنا، وبكينا، وتحملنا ضغوط الدراسة على أمل أن يأتي اليوم الذي نجني فيه ثمار سنوات من الاجتهاد. ثم وقفنا جميعًا أمام النتيجة النهائية؛ فمنّا من نجح، ومنّا من خسر.

لكن الخسارة ليست دائمًا هي أكثر ما يؤلم الطالب، بل إن خيبة الأمل في بعض الأشخاص تكون أشد قسوة. نعم، أنا أشير إلى أولئك الذين يتلاعبون بتعب الطلاب وسنوات اجتهادهم، ثم يظلمونهم في تصحيح الامتحانات أو في مسابقات التوظيف. حينها يشعر الطالب بأن جهده لا قيمة له، وأن الاجتهاد وحده لا يكفي لتحقيق النجاح.

ومع مرور الوقت، يبدأ هذا الشعور في قتل الطموح داخله. فيقتنع بأن المجال الذي يحبه لم يعد مكانًا له، ويبحث عن عمل أو تخصص أقل من قدراته، لا لأنه لا يستطيع الأفضل، بل لأنه فقد الأمل في الحصول على فرصة عادلة. وهنا يخسر المجتمع والوطن طاقات وعقولًا كان يمكن أن تصنع مستقبلًا أفضل.

وعندما تتكرر خيبات الأمل، يتوقف بعض الشباب عن بناء أحلامهم، ويؤجلونها إلى أبنائهم في المستقبل، وكأنهم يريدون أن يعيشوا أحلامهم من خلالهم. لكنهم ينسون أن لكل إنسان حلمه الخاص، وأن أحدًا لا يستطيع أن يجبر شخصًا آخر على تحقيق حلم لا يؤمن به أو لا يحبه.

وللأسف، أصبح هذا واقعًا يعيشه كثير من الشباب في بعض المجتمعات العربية. فقد حُطمت أحلامهم، وأُهملت مواهبهم، ولم تجد قدراتهم من يكتشفها أو يمنحها الفرصة التي تستحقها. ونتيجة لذلك، اتجه بعضهم إلى طرق غير شرعية بحثًا عن المال أو الهجرة أو تحقيق أحلامهم، وهي طرق قد تقود في النهاية إلى الضياع والهلاك.

بل إن هناك من أصبح يكره وطنه، ليس لأنه لا يحبه، وإنما لأنه لم يجد فيه فرصةً تليق بجهده، فأخذ ينتظر أي فرصة للهجرة إلى مكان آخر بحثًا عن الأمل والعمل والكرامة وتحقيق أحلامه.

ولا يمكن لأي وطن أن يتقدم إذا بقيت طاقات شبابه معطلة، أو إذا شعر الشباب أن الأبواب مغلقة في وجوههم. فالأمم تبنى بعقول شبابها، لا بتهميشهم. وعندما تحتكر المناصب لسنوات طويلة دون إفساح المجال للكفاءات الجديدة، فإن عجلة التطور تتباطأ، ويظل الوطن أسير الماضي، بينما تضيع طاقات قادرة على الإبداع والابتكار، بل وقادرة على إنارة العالم بعلمها وإنجازاتها.

فإلى متى سيظل الطالب يرى أحلامه تتبخر أمام عينيه؟ وإلى متى سيبقى ينظر بصمت إلى عالم يظنه لا يكافئ المجتهدين؟ إن إعادة الأمل إلى نفوس الشباب ليست مسؤولية الطالب وحده، بل مسؤولية الأسرة، والمؤسسات، والدولة، والمجتمع بأكمله. فحين يشعر الشاب أن جهده سيُقدَّر، وأن العدالة ستمنحه حقه، سيعود إلى طريق العلم والعمل، وسيصبح شريكًا حقيقيًا في بناء وطنه، لا باحثًا عن وطن آخر يحتضن أحلامه.


عندما لا تكون الكفاءة وحدها كافية

هناك اختلاف كبير بين الناس في أوضاعهم الاجتماعية والمادية، وهذا أمر موجود في جميع المجتمعات. فهناك من يولد في عائلة ميسورة توفر له التعليم والدعم والعلاقات، وهناك من يبدأ حياته بإمكانات محدودة، ويضطر إلى شق طريقه بنفسه.

لكن المشكلة لا تكمن في اختلاف الظروف بحد ذاته، وإنما تبدأ عندما تصبح الفرص مرتبطة بالوضع الاجتماعي والعلاقات أكثر من ارتباطها بالكفاءة والاستحقاق.

فقد يصل شخص إلى منصب أو فرصة لمجرد امتلاكه علاقات أو دعمًا اجتماعيًا، بينما يُحرم شخص آخر أكثر كفاءة وطموحًا لأنه لا يملك الوساطة نفسها. وفي بعض الأحيان قد تكفي كلمة طيبة أو معرفة شخصية لفتح باب أمام شخص، بينما يبقى آخر يطرق الباب سنوات رغم امتلاكه العلم والقدرة.

وهذه ليست مشكلة فردية بسيطة؛ لأنها عندما تتكرر تتحول إلى مشكلة اجتماعية. فالمجتمع الذي لا يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ولا يمنح الكفاءة والطموح فرصتهما، يبدأ تدريجيًا في خسارة أفضل ما لديه: العقول والطاقات والشغف.

والأسوأ من ذلك أن الشاب الذي يجتهد ثم يرى غيره يتقدم عليه رغم امتلاكه كفاءة أقل، قد يبدأ في فقدان الثقة بنفسه وبالمجتمع من حوله. ومع تكرار التجربة، قد يتحول الإحباط إلى شعور بالعجز، ثم إلى ضغط نفسي، وربما إلى كراهية للمكان الذي يعيش فيه، ليس لأنه يكره وطنه في الأصل، وإنما لأنه يشعر أن وطنه لم يمنحه فرصة عادلة.

وعندما يصبح هذا الشعور منتشرًا بين فئة كبيرة من الشباب، تبدأ آثار المشكلة بالظهور على المجتمع كله. فكيف يمكن لدولة أن تنهض إذا كانت كفاءاتها لا تجد طريقها إلى مواقعها المناسبة؟ وكيف يمكن أن يتطور قطاع ما إذا لم يتولَّ المسؤولية فيه الشخص الأكثر قدرة واستحقاقًا؟

الأخطر أن بعض أصحاب المناصب قد لا يكتفون بالتمسك بمواقعهم، بل قد يقفون أحيانًا أمام الشباب الطموح، خوفًا من أن ينافسهم أو يتفوق عليهم. وهنا لا نخسر شابًا واحدًا فقط، بل نخسر فرصة كان يمكن أن تضيف شيئًا جديدًا للمؤسسة والمجتمع.

ومع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الشاب يرى يوميًا تجارب شباب آخرين في بلدان مختلفة؛ يرى من بدأ من الصفر، ومن وجد فرصة، ومن نجح في مجال يحبه. فيبدأ بالمقارنة: لماذا استطاع هو أن يحقق حلمه، بينما لم أجد أنا حتى فرصة عادلة لأحاول؟

ومن هنا قد يبدأ التفكير في الهجرة، ليس بحثًا عن المال فقط، وإنما بحثًا عن مكان يشعر فيه الإنسان أن كفاءته يمكن أن تكون لها قيمة، وأن طموحه لا يُقتل قبل أن يبدأ.