يمثل العلم في التصور الإسلامي قيمة وجودية عميقة، إذ يتجاوز كونه مجرد تحصيل معرفي ليصبح عبادة مرتبطة بالقصد والنية. فـ”طلب العلم” في جوهره فعل إرادي ينبع من حاجة داخلية وغاية حضارية، لا مجرد امتثال لنظام تعليمي مفروض. وهذا الفهم يبرز إشكالية واضحة في المناهج الحديثة التي تميل إلى الإلزام والتوحيد، مما قد يفقد التعلم روحه القائمة على الرغبة والبحث.
لغوياً وشرعياً، يرتبط “الطلب” بالإرادة والسعي والافتقار، وهو ما يجعل النية شرطاً أساسياً في تحصيل العلم النافع. وقد قسم الفقه الإسلامي العلم إلى فرض عين (ضروري لكل فرد) وفرض كفاية (تخصصي يخدم المجتمع)، مما يعكس توازناً بين الإلزام والحرية. غير أن الأنظمة التعليمية الحديثة غالباً ما تخل بهذا التوازن عبر فرض مسارات موحدة لا تراعي ميول الأفراد.
تاريخياً، عرفت الحضارة الإسلامية نموذجاً تعليمياً مرناً يقوم على الحرية الأكاديمية، حيث كان الطالب يختار شيخه وتخصصه، ويجسد “الرحلة في طلب العلم” كحركة واعية. أما اليوم، فقد تحول التعليم في كثير من الأحيان إلى عملية تكديس معرفي، كما انتقد ذلك مفكرون مثل مالك بن نبي، حيث يغيب البعد العملي والحضاري للعلم.
كما أن الفصل بين العلم والأخلاق في المناهج الحديثة، كما أشار طه عبد الرحمن، أدى إلى إنتاج معرفة تقنية بلا بعد قيمي، مما يضعف دور العلم في بناء الإنسان المتكامل. ويزيد من ذلك التبعية للنماذج الغربية التي لا تراعي الخصوصية الحضارية الإسلامية.
في المقابل، يطرح مفهوم “العلم النافع” بديلاً يربط المعرفة بالعمل والتزكية، ويؤكد على ضرورة دمج القيم مع المهارات، خاصة في ظل تحديات العصر الرقمي. ويبرز هنا مفهوم “التأديب” الذي يركز على بناء الإنسان أخلاقياً ومعرفياً، لا مجرد تأهيله اقتصادياً.
ورغم إكراهات التعليم الحديث، يمكن استعادة روح “الطلب” عبر تصحيح النية، وتفعيل التعلم الذاتي، وربط العلم بالعمل. كما يتطلب الإصلاح إعادة تأصيل المناهج وفق مقاصد الشريعة، وتحقيق التكامل بين العلوم، وتنمية التفكير الحكيم.
في النهاية، تبقى النهضة الحقيقية رهينة بتحويل التعليم من مجرد إلزام إلى “طلب” واعٍ، يصنع إنساناً يجمع بين العلم والإيمان، ويحقق معنى الاستخلاف في الأرض.
التعليقات