ما رأي الدين، الإيتيقا و القانون في ترك شخص ما يموت ؟
مرحبا،
لو فكرنا في هذه السناريوهات :
شخص لا تعرفه :
" في يوم من الأيام كنت جالس قرب البحر و رأيت شخص يغرق، الوحيد الذي في المكان هو انت. رغم قدرتك على إنقاذه إلا انك قررت تجاهله و تركه يموت"
شخص تعرفه :
" في إحدى الأيام بينما كنت تسوق السيارة ليلا في طريق مهجور تقريبا ورأيت شخص تعرض إلى حادث في قارعة الطريق وإصابته كانت خطيرة. ولكن ذلك الشخص انتَ تعرفه ولا تحبه بالظرورة او لا تطيقه فقررت تجاهله وتركه هناك دون حتى الإتصال بالإسعاف"
أريد ان أعرف ما رائي الثلاثي : الدين ( الإسلام )، الإيتيقا و القانون في السناريوهات التي تم ذكرها.
سؤال جميل,
سأبدأ من الأسهل: القانون
في القوانين الوضعية بالطبع لايعتبر جريمة -وأقصى ماقد يحدث هو أن يحققوا معك للتأكد من صلتك بالحادثة وأطرافها, ثم يخلوا سبيلك-, لأن الجريمة لها ركنين:
ركن مادي(الفعل الإجرامي ذاته: الطعن, إطلاق الرصاص, دفع الشخص في البحر)
ركن معنوي(القصد الإجرامي: وهو نيّتك ورغبتك وإستقصادك للنتيجة)
وأمر ثالث يعتبره البعض ركن والبعض الآخر لا, وهو: (التجريم), ويقصد به أن يكون ذلك الفعل مذكور في أنظمة او قوانين البلد بأنه جريمة,
بالطبع في هذه الحالة (وقوفك متفرجاً) أنت لم تفعل الركن المادي ولم تتسبب به, وبالتالي تسقط عنك الجريمة,
ولكن, يوجد نوع من الجرائم تسمى: (الجريمة السلبية), ويقصد بها جريمة منصوص عليها في القانون, يتكون الركن المادي فيها من "عدم الفعل" وليس الفعل! وبالأصح "اتخاذ موقف سلبي" حيال حدثٍ ما, من أشهر أمثلتها:
حادث التصادم إذا كنت طرفاً فيه, وأصيب الشخص ثم مات, فبـ"عدم إنقاذك" للطرف الآخر تنطبق عليك أركان الجريمة السلبية, حيث أنك "اتخذت موقف سلبي" او "لم تفعل"
كذلك رؤية رجل الأمن وضبط النظام لأطفال يلعبون قريب من عامود او أسلاك كهرباء مكشوفة, ويعلم أنه في غالب الظن سيحتكون بالعامود أو يلمسه أحد منهم, ومع ذلك لم يبعدهم, ثم أُصيب او مات
أما في الحالتين السابقتين إن لم تكن طرفاً, او عليك مسؤولية ما (كأن تكون رجل أمن, أو مشرف الساحة, او منقذ رسمي على الشاطئ) فليس عليك أي شيء قانوناً..
.
.
.
فيما يخص: الشريعة
فلست مختصاً, ولا يصح الإفتئات على الشرع من غير عالمٍ به
ولكن, مما يتكون لدي في فهمي الخاص, وإعمالي لبعض ما تعلمته وتفقهت به ودرسته, فأظن أن الأمر يدخل ضمن درجات التكليف, فبـالإضافة للأحكام التكليفية الخمس, يوجد لدينا "فرض العين", و"فرض الكفاية"
و"فرض العين" يقصد به أن الأمر فرضٌ و واجبٌ عليك, لأنك تعيّنت له, أي أنك مكلفٌ عيناً(بعينك, بذاتك) لعدم وجود من يقوم به غيرك, ومن أمثلته:
- أن تكون طبياً في طائرة, وتحصل فيها حالة صحيّة طارئة لايمكن الوصول إلى الأرض إلّا وقد أدّت لمكروه(وفاة الشخص, عطب عضو, تطلب بتر عضو, إلخ), وأنت مؤهل للقيام بها, فهنا قيامك بها هو فرض عين, أي أنك تعيّنت بعينك وذاتك -بحكم الضرورة- لمباشرة الحالة,
فإن رفضت التدخل فإنك تُسأل عن ذلك, وتُعاقب عليه,
(وهذا يدخل في أخلاقيات المهنة لدى بعض الدول, كأن تنص أنظمة الأطباء والمحامين والمهندسين وغيرهم على أخلاقيات معينة لايصح الخروج عنها), لكن شاهدنا هُنا هو أن الشريعة تفرض هذا الوضع على "المعيّن", ولولم ينص أي قانون على ذلك
ولأننا في السعودية نستمد الأنظمة من الشرع مباشرة, تجد عديد من الأحكام الشرعية منصوصة على شكل أنظمة او مواد فيها, وهنا اقتباس من المواد القانونية الخاصة بالممرسة الطبية, وفيها أحكام "الطبيب المتعيّن" بالمفهوم الشرعي:
(یجب على الممارس الصحي الذي یشھد أو یعلم أن مریضاً أو جریحا في حالة خطرة أن یقدم له المساعدة الممكنة، أو أن یتأكد من أنه یتلقى العنایة الضروریة) وأيضاً
(یعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز ستة أشھر، وبغرامة لا تزید عن مائة ألف ریال، أو بإحدى ھاتین العقوبتین؛ كل ممارس صحي: 1-*** , 2-*** , 3- امتنع عن علاج مریض دون سبب مقبول, 4-*** إلخ).
وبما أن هذا ينطبق على الطبيب المجيد للطب, فأظنه -بلا شك- سينطبق على الرجل البالغ العاقل الذي يستطيع إنقاذ الغريق أو المُصاب دون أن يضر نفسه,
وتبعاً لأن لدينا في المملكة الأنظمة الجنائية ليست محصورة على شكل قوانين محددة ومنصوص عليها جميعها, بل كثير من الأحكام تكون موافقة لما يعد جريمة وانتهاك للغير في الشرع, فلا أشك في أن من استطاع المساعدة و"نكل" عن ذلك سيعاقب, ليس شرطاً إعتباره قاتل لذلك الغريق او المصدوم, ولكن عقوبة على التخاذل ..
(وبالعودة لموضوع موقف القانون, فإنه لدينا تعد عدم مساعدتك: جريمةٌ قانوناً)
.
.
.
أما الإيتيقا فلم أسمع بها سابقاً, وأظنك تقصد الفلسفة الأخلاقية, او الإلتزام الأخلاقي غير الناشئ عن مرجعية(كالدين, والعادات, والعرف),
وبصراحة لا أعلم كيف سينشئ إلتزام او حتّى موقف دون وجود مرجعية, الأمر سيصبح (خبط عشواء), او أمر عائد كلياً لمزاج الشخص وحالته النفسية وقت وقوع الحادثة, لا أعلم.
هذا ما أحببت أن اشارك به, والسلام عليكم ورحمة الله.
التعليقات