17

لماذا أعارض حقوق النشر؟

"كافة الحقوق محفوظة" عبارة يحيطها ما يحيطها من هالة، لكنها أيضا تنال نصيبها من النقد. لماذا ينتقد البعض حقوق النشر؟ لماذا يرون مبرراتها متهافتة؟ هل اخترناها أم فرضت علينا فرضا؟ حاولت الإجابة على هذه التساؤلات في مقالة من جزئين نشرها موقع المقال وأستعرض في ثناياها تاريخ حقوق النشر في الوطن العربي عموما وفي السعودية خصوصا، ولماذا علينا أن نوسّع الأفاق وأن نرفضها ونبحث عن بدائل.

أعتقد أن حقوق النشر تمنح سلطة تعسفية غير مبررة لمنتجي الأعمال

الجزء الأول:

http://www.almqaal.com/?p=3238

الجزء الثاني:

http://www.almqaal.com/?p=3251

التعليق السابق

أنت تجعل الفارق بين المنتج التجاري و الثقافي التكسب، وأنا أرفض هذا التقسيم. أرى تقسيما مختلفا: ثمة أجسام محسوسة محدودة الكمية وهذه لها ملكية، وثمة أشياء غير محسوسة غير محدودة الكمية وهذه ليس لها ملكية لأن باستطاعة الجميع الانتفاع منها في ذات الوقت دون أن يؤثر ذلك سلبا على أحد. ثم تأتي لتقحم ليبرأفس، لكن المثال للأسف خاطئ: قانونيا يحق لشركة البترول أن تستخدم هذه البرمجية الحرة العظيمة لتقليل التكاليف، لكن تبعات تقليل التكاليف هذا كشراء جاغوار جديدة موضوع آخر تماما له علاقة بالعدالة في توزيع الثورة وليس له علاقة باستخدام ليبرأفس من عدمه.

الفارق بين التجارى و الثقافى فى رأيى هو :

  • العمل ثقافى ليست له فائدة مادية ملموسة, يعنى مثلا ماذا استفدت لو قرأت رواية أو سمعت اغنية ما, لا شىء سوى الثقافة فى حد ذاتها, ليس معنى ذلك انه لا يتعين عليك الدفع.

  • العمل التجارى يمكنك الاستفادة منه بشكل ملموس سواء لتسهيل حياتك أو للتكسب من ورائها, السيارة تستخدمها فى التنقل الشخصى, أو قد تستخدمها كسيارة اجره لتوليد الارباح, و البرامج كذلك قد تستخدمها مثلا لاجراء حسابات منزلية, أو اجراء بعض الاعمال التى تعود عليك بالمكسب, فى الحالتين مادامت قد استفدت بشكل مادى ملموس فعليك ان تدفع.

  • البرامج لها شكل مادى و هو الملف الbinary, و لكن لظروف التكنولوجيا فان من السهل نسخه بعكس المنتجات التجارية الاخرى.

  • لا ينبغى للمنتج التجارى ان يكون مجانيا او يسمح بتداوله دون العودة للناشر, لأن هذا شكل من اشكال الاحتكار, اسمه "بيع بأقل من سعر التكلفة".

التعاريف التي أوردتها فضفاضة جدا والتقاسيم تعسفية ولم أفهم أساسها الأخلاقي. لم أفهم لماذا جعلت "تسهيل الحياة" مثلا ضمن النطاق المادي التجاري، ثم ربطته بموافقة المنتج. لو قرأتُ مثلا وصفة طعام "ستسهل حياتي" وستجعلني آكل طعاما ماديا محسوسا، هل سيتعين علي ألا أنقلها لأحد؟ أيا كانت الإجابة: لماذا؟ ما أساس هذا التقسيم؟ لو أخذت برنامجا ونسخته لصديق ليستفيد منه في تسهيل حياته، لماذا يتعين علي أن أكون رهنا لموافقة شخص ثالث؟

التعاريف بسيطة للغاية, و ليس لها اساس اخلاقى فلا علاقة للموضوع بالأخلاق.

ما اردت ان اوصله لك ان البرامج ليست منتج ثقافى, بل هى منتج هندسى صناعى مثله مثل الالات فى المصانع, و لكن له شكل مختلف فقط.

ببساطة تانى :

المنتج الثقافى : الاغانى و الافلام و الروايات و قصائد الشعر منتجات ثقافية, و كما اوردت فى ردى السابق, لا يعنى كونها منتجات ثقافية ان صاحبها (الذى ألفها او الذى أوكل اليه مؤلفها الاستفادة منها) لا يجب ان يبيعها او يتحكم فى انتشارها, بل من حقه تماما ان يتحكم فى شكل تداولها كما يشاء و ان يحدد السعر و الشكل التى توزع به.

المنتج التجارى : البرمجيات, و الالات, و كل المنتجات التى نستخدمها فى حياتنا الشخصية أو العملية لأداء مهمة معينة.

نقطة ثانية خطيرة فى مقالك :

"هل هم “سارقون” إن لم يدفعوا؟ لو استعار شخص كتابا أو قرأه في مكتبة عامة، هل يعقل أن نصفه بأنه “سارق” لأنه لم يدفع، وهل المكتبات العامة مسارح للسطو والسرقة؟"

هذه العبارة بالذات تذكرنى بالقذافى فى الكتاب الاخضر : "البيت لمالكه!", عندها انتشرت وضع اليد على المنازل فكل من يستطيع الدخول الى البيت و وضع اليد عليه يحق له استخدامه. فما امامك تستطيع استخدامه, نفس المنطق بالضبط و ان اختلف ال"شىء" الذى تستخدمه.

تداول الادوات او المنتجات أو حتى الابداعات الثقافية بشكل مجانى و دون قيود هو شكل من اشكال شيوع الملكية (الشيوعية), و هى الأصل الفكرى وراء كل الدعوات التى ترفض حقوق النشر, و للأسف فان شبابنا ينخدع بمثل هذه الأفكار الخبيثة.

نقطة الشريعة :

"الأسطورة الثالثة: حقوق النشر كفلتها الشريعة

ينطلق كثير من باحثي القضايا المعاصرة من مسلمة أنها تمثل مظهرا من مظاهر “التقدم”، لكنهم يرفضون في ذات الوقت أن يكون هذا “التقدم” متفوقا على الماضي فيسعون باستماتة لإسقاط المفاهيم الحديثة على الماضي."

الأديان السماوية تقدس الملكية لأنها فطرة الانسان, و لأنها الشكل الاقتصادى السليم.

الشرائع (وليس الأديان) السماوية تحث على الزهد فى الدنيا أساساً, ولكن يمكن تقول أن الاسلام قريب من النظام الرأس مالى أكثر من الشيوعى والاسلام ليس هذا ولا ذاك فهو بين هذا وذاك (لندرك هذا جيدا)

والأفكار الشيوعية التى ترفضها أفكار مقبولة إلى حد معين متى تجاوزت هذا الحد فهى مرفوضة, وكذلك الأفكار الرأس مالية إذا وصلت لحد معين فهى مرفوضة ويجب أن تكون أفكارنا مابين هذا وذاك ليس هذا أو ذاك فخير الامور الوسط

أنت هنا لا تضع يدك على "الشيء"، ولا يمكنك ذلك. "الشيء" العلمي والثقافي والمعرفي لا محسوس ومن التعسف قياس الأجسام المحسوسة النادرة على الأجسام غير المحسوسة غير النادرة. إذا أردت أن تعتبر غياب الملكية إشاعة، فلن أعارضك. لا ينبغي أن تدفعك فوبيا الشيوعية لإقحام مفهوم الملكية حيث لا ينطبق. اقتبست في المقالة قرارا للمحكمة الأمريكية نفسها وهي تنفي وصف "السرقة" عمن يخرق حقوق النشر، وأستبعد أن يكون قضاة هذه المحكمة دعاة للشيوعية.

هل الملكية فى رايك تكون فقط للشىء الملموس الذى له كيان؟ بالطبع لا,

اذا قمت انا مثلا بصناعة برنامج, فمن حقى الطبيعى ان احدد كيفية نشره و توزيعه و أن امنع تداوله او استخدامه دون الرجوع الى. و لو نشرت كتابا فاننى من حقى ان اتحكم فى توزيعه و سعره و كل شىء. و من حقى ان امنع أيا كان ان يقرأه دون أن يدفع.

حقوق النشر هى حقوق طبيعية لصاحب الفكرة (غير الملموسة) التى تقول عنها, و القوانين ما هى الا حماية لهذا الحق الطبيعى.

و عموما لو مش عاجباك حقوق النشر, ارمى افكارك و برامجك فى مستودعات المصادر المفتوحة, لكن لا تجبرنى أنا ان افعل ذلك أيضا بدعوتك لالغاء حقوق النشر. فحقوق النشر لا تمنعك من رمى أفكارك فى الشوارع انت حر تماما, لكنها تحمى من يريد ان يحمى افكاره و مجهوده.

لا، حقوق النشر ليست حقا طبيعا، بل هي امتياز نفعي. الحقوق الطبيعية متعالية على نشأة الدولة، لكن حقوق النشر صنيعة الدولة، وأولى الدساتير التي استحدثتها نصت صراحة أنها مجرد امتياز مؤقت لتشجيع الإنتاج في سياق وظروف محددة دون أن تكون حقا أصيلا متعاليا. لك أن تراجع مثلا النقاش الطويل الذي دار بين من كتبوا الدستور الأمريكي وهم يحاولون أن يبحثوا عن مبررات للسماح بحقوق النشر وكانوا وقتها يعون أنها ليست حقا طبيعيا أصيلا. ذكرت في المقالة أن الحضارة الإسلامية مثلا لم تعترف به أبدا، ولم يكن ينظر للأعمال الثقافة والعلمية والمعرفية أنها ملك، ومن المغالطات اعتبارها حقا طبيعيا.

سيدى, نقاشات الدستور الأمريكى لا تحدد لى ما هو الطبيعى و ما هو غير الطبيعى,

الطبيعى هو الفطرة السليمة, و الفطرة السليمة تقول بأن من صنع شيئا أيا كان هذا الشىء يملكه, و القوانين هى مجرد طريقة لصياغة هذه المبادىء الانسانية الطبيعية و ان خالفتها فانها تفشل أو تتسبب بمصائب. مثل الشيوعية التى انهارت لأنها خالفت فطرة الانسان السليمة فى التربح و المنافسة و التفوق على الاخرين.

و الاديان مع الفطرة السليمة,

سوف احيلك الى الرابط التالى لندوة حماية الملكية الفكرية فى الازهر:

و نقتبس منها الفقرة :

"من جانبه أكد الدكتور أحمد عمر هاشم (رئيس جامعة الأزهر) أن الملكية الفكرية في الإسلام مصونة ومحمية بسياج الدين والأخلاق قبل حمايتها بالقوانين والإجراءات، مشيرًا إلى أن الإسلام لا يعارض إصدار تشريعات وقوانين تحمى حقوق المبدعين، والدليل على ذلك ما قاله رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت من ضرورة تسجيل شعره في أوراق حتى لا يسطو عليها أحد . "

بعيدا عن القوانين, الموضوع ليس قانونيا فقط, لأننى أستطيع فرض حقوق النشر بنفسى دون قوانين, و الحقيقة ان الكثير من الشركات تفعل ذلك.

هل تعتقد انك لو ألغيت قوانين النشر أن الناشرين سوف يوزعون انتاجاتهم مجانا؟

على فكرة هناك طرق لحماية البرمجيات مثلا غير معتادة و صعبة الكسر (مثل الdongols و التسجيل عبر الشبكة), و هى مطبقة فى البرامج الصناعية المتخصصة, لكنها ليست عملية لذا لا تطبق فى البرامج واسعة الانتشار. فالبرنامج ليس مثل الكتاب و يمكن حمايته انما بطرق سوف تتسبب بضجر المستخدمين.

الغاء قوانين النشر ببساطة سوف يدفع هؤلاء الى تطبيق طرق أكثر صرامة على برمجياتهم. مايكروسوفت تطبق مثلا نظاما صارما فى ويندوز فون حيث لا تسمح بتثبيت التطبيقات الا عبر متجر مايكروسوفت, و حاليا لا يوجد طريقة لكسر ذلك.

هل أساس الحقوق الطبيعية عندك الفطرة البشرية؟ حسنا. الفطرة البشرية لا تقتضي احتكار العمل الثقافي أو المعرفي، إلا إذا كانت الحضارة الإسلامية وما سبقها وصاحبها من حضارات تأسست على قمع هذه الفطرة. مرة أخرى: فكرة حقوق النشر فكرة حديثة جدا جدا، أحدث مما تتصور، ولا يمكن أن تكون الفطرة البشرية بهذه الحداثة، ولذا فهي تنظيم وضعي حديث.

والدليل على ذلك ما قاله رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت من ضرورة تسجيل شعره في أوراق حتى لا يسطو عليها أحد .

هل لك أن تأتي بنص الحديث؟ يعنيني تحديدا موضوع "حتى لا يسطو عليها أحد". تدوين الشعر لا يمنع "السطو" (رغم أننا قلنا مرارا وتكرارا أن السطو لا ينطبق هنا أصلا). التدوين يمنع الانتحال فقط ويضمن أن تنسب الأعمال لمن ألفها، وهذا يختلف كليا عن منع الناس من تداولها بحجة التملك.

أما بخصوص عبث الشركات عبر أنظمة القيود الرقمية فهي إشكال حقيقي، وثمة حملات كثيرة تطالب بوقفها اليوم قبل غد، وأرى أن حظرها ضروري. إلغاء حقوق النشر، وإيجاد بديل عمومي، وحظر هذه الممارسات كلها أهداف جليلة.

العمل الثقافي ليس له فائدة مادية ملموسة؟ بنفس المنطق فإن الألعاب الإلكترونية ليس لها فائدة مادية ملموسة رغم أن القائمين عليه مبرمجون أفنوا ساعات طوال في صناعتها، هل يجوز قرصنتها بما أنها "ليس لها فائدة مادية ملموسة؟..

وكما أن الكتب ليس كلها روايات، بل أغلب الكتب " تسهل حياتك و يتكسب الكاتب من ورائها" ككتب التعليمية (رياضيات، لغات أجنبية، برمجة)..

حتى مثالك السابق (الروايات و الأغاني) هي صناعة قائمة بحد ذاتها يتم فيها استثمار مليارات الدولارات في الغرب وهنالك وظائف خصيصا لها، فهي ليست مجرد "شغل هواة"..

كلامك يحتوي على مغالطات منطقية.

نقطة أخيرة, هذه العبارة التى فيها مفهوم غريب للغاية :

"يصعب التنكر لقيمة تقنيات الاتصال. لم يسبق في التاريخ أن أتيح الوصول اللحظي والمباشر للإنتاج المعرفي والثقافي بهذه السهولة. تصعب أيضا مقاومة هذا الإغراء، ولاسيما حين تكون الموانع مجرد قيود مصطنعة. في شهر يناير لعام 2013 وحده تعمّد 327 مليون شخص الوصول لأعمال تخرق حقوق النشر،[14] والأرقام في ازيداد مضطرد. أعلى حلقة تلفزيونية نُزّلت في 2013 كانت حلقة من المسلسل الأمريكي Game of Thrones، وتفوّق عدد مرات تنزيلها على عدد الذين شاهدوها على التلفاز.[15] في سنة 2013 وحدها قفزت الملفات المضافة لموقع خليج القراصنة (وهو أشهر موقع لتشارك الملفات في العالم) بنسبة 50%.[16] تُقدّم هذه الأرقام عادة وكأنها تدل على مشكلة ينبغي المسارعة في حلّها، لكني أنظر لها بإيجابية فهي تعكس مقدار الاستفادة من هذه التقنية في الوصول للمعارف والثقافة."

المنطق هنا غير واضح, لكن ما فهمته ان معنى كلامك ببساطة :

"اذا كان من الصعب حماية شىء من السرقة, فانه لا يجب حمايته أصلا و لا يعتبر التعدى عليه سرقة!",

و هذا منطق غريب, يعنى زمان كانت ابواب المنازل بسيطة و سهلة الفتح فهل يحق لأى كان سرقة المنزل؟!

عجزنا الحالى عن حماية منتج ما من السرقة نتيجة لقصور تكنولوجى لا يدعو الى تبرير سرقتها, فهى مازالت سرقة.

ذكرت لك أن الأمر ليس سرقة. حقوق النشر قيد مصطنع ومفروض علينا فرضًا. ما أقوله أننا لسنا ملزمين بهذا القيد، وأننا نشهد الآن أمام أعيننا روعة التحرر منه.