تخيّل هذا المشهد: في القرن التاسع عشر، كان علماء الآثار يحفرون في بومبي، المدينة الرومانية التي دفنها بركان فيزوف سنة 79 ميلادية، ففتحوا باب فرن أحد مخابزها فوجدوا داخله 81 رغيف خبز متفحماً، مرتّبة كما تركها الخباز صباح الكارثة: أرغفة خبز عمرها ألفي عام، «مخبوزة زيادة» عن اللازم قليلاً.
لم تكن بومبي مدينة خبازين صغار: فيها عشرات المخابز، بطواحين حجرية ضخمة تطحن القمح، وأفران تُشعل بالحطب. كان الخبز الغذاء الأساسي للرومان — يأكله الغني والفقير كل يوم.
والأجمل من الأرغفة نفسها شكلُها: أقراص مستديرة مقسّمة إلى ثمانية أجزاء، تُربط بالخيط قبل الخبز حتى يسهل تقسيمها باليد — والشكل نفسه ما زال يُخبز في صقلية إلى اليوم.
لكن التفصيل الأغرب هو «التوقيع»: على بعض الأرغفة ختم بارز يحمل اسم صانعها. في مدينة هرقلانيوم المجاورة عُثر على رغيف مختوم: «صنعه Celer، عبد Quintus Granius Verus». لم يكن الختم للتباهي، بل للمسؤولية: القانون الروماني كان يضبط وزن الخبز وسعره، فإذا وُجد رغيف ناقص الوزن أو مغشوش، عرف المسؤولون من أي مخبز خرج. أقدم «علامة تجارية» على منتج غذائي، قبل ألفي سنة.
كتبت عن مدينة بومبي — التي دفنها البركان وهي على هذه الحال من الحياة اليومية — بتوسع في بيكومين:
أنا أدير مجلة «بيكومين»، مجلة عربية استكشافية تكتب عن التفاصيل المنسية في حياتنا وتاريخنا.
سؤالي لكم: لو نجا شيء واحد من بيتك بعد ألفي عام، ماذا تريد أن يكون؟
التعليقات