مرحبًا يا رفاق!
الحياة مليئة بالتعقيدات، وقد تُلقي هذه التعقيدات بظلالها على دواخل الإنسان فتُظلِمها، وهكذا يواجه الإنسان فوضى داخلية تفوق تلك التي في الخارج، تُستَنزف قواه في صمت، لأن اللسان وقتها يتملّكه عجز مهيب عن شرح أيٍّ مما يحدث من معارك في الداخل! هل هو تعريف اختلقته للاكتئاب؟ لا أظن ذلك... قد تكون محاولة.
في خضم هذا الوضع التراجيدي، قد يوجد في زاوية النفق المظلم مصباح صغير يقرر أن يُسقِط ضوءَه على استحياء، فتتولّد لدينا قوة اسمها: (الإبداع) وما يليه من أعمال فنية خالدة!
ربما تتساءل كما تساءلت أنا مع نفسي عن سبب اختيار العنوان "المكتئب فنان..." بدلًا من "الفنان مكتئب.."، أعتقد أن الإثنين يمكن أن يعملا ولكن، الأول سيمنحنا المساحة لدراسة العلاقة المثيرة للاهتمام بين الإكتئاب والإبداع الفني والأدبي.
فنسنت فان جوخ، سيلفيا بلاث، إرنست همنغواي، إدفارد مونك (صاحب لوحة الصرخة) وغيرهم، جميعهم يشتركون في معاناتهم مع الاضطرابات النفسية ونوبات الإكتئاب الحادة التي أدّت ببعضهم إلى نهايات انتحارية مأساوية، وهذا جانب. الجانب الآخر أنهم جميعهم خلّفوا وراءهم أعمال أدبية وفنية راسخة في التاريخ الإنساني.
الفن -والأدب مقرونًا به باعتباره فن تصوير الكلمات-، قد يكون المنفذ التعبيري الوحيد الذي يلجأ إليه الإنسان المرهق عاطفيًا، حيث أنه يكون بمثابة متنفسٍ له، ووسيلة يحوّل فيه ألمه إلى عمل مادي ملموس، حينها يتحرر من وهن العجز عن شرح الفوضى التي بداخله، هذا غير أن العملية الإبداعية تتطلب تركيزًا تامًّا للجهود في إنتاجها وهو ما يعمل كعامل تشتيت يعتق فيها الفنان نفسه عن أزمته ولو مؤقتًا.
وتربط بعض الدراسات بين الضغط العاطفي وتحفيز العملية الإبداعية، حيث قارنت بين مستويات التفكير الإبداعي بين حالة الضغط النفسي والراحة، ووجدوا تزايدًا ملحوظًا للإبداع في الأولى!
لنتملّص من الدراسات وتفاصيلها العلمية، ولأشبّه لك الأمر بإنسان عالق في حريق، والباب الرئيسي للهروب مغلق تمامًا في وجهه، ووسيلته الوحيدة للنجاة هي إيجاد مخرج آخر، أو اختراعه لو تطلب الأمر، هكذا يعمل الإبداع، فهو يمثل القدرة على رؤية زوايا جديدة والخروج عن الشائع أو خارج الصندوق كما يُقال، وفي حالة إنسان تلاحقه النيران، هو مجبر على ذلك داخليًا.
ولذلك يعد الفنّ بكل أنواعه شكلًا علاجيًا وتسكينيًّا شائعًا لمثل هذه الحالات، سواء أكان ذلك عبر الكتابة السردية أو النثرية أو الشعرية، أو الفن التصويري عبر الرسم والنحت والتصميم، أو الغناء وغيره، كلها يمكن أن تُتَّخذ كمراحل في خطة التعافي (بالمناسبة سبق وأن كتبت مساهمة عن الكتابة ودورها في التعافي، سأرفقها لكم ختامًا).
هل أدّعي أن الاكتئاب ضرورة تلازم الإنسان حتى يبدع؟ لا، قد يكون إضافة وقد يكون العكس تمامًا، هل أقول أن الفن وحده يكفي لمعالجة هذه الحالة المستعصية؟ ليس تمامًا، ولكنه عامل ترويح فعال عن الضغط النفسي.
عمومًا ليس الغرض من المساهمة أن تُفهم على أنها تجميل لهذه الآفة التي تفتك بالنفس، إنها فقط محاولة لاستيعاب شيفرة النجدة التي يُودِعها الفنان أو الأديب في عمله، هي محاولة لنسمع الصرخة التي بداخله لأن تعبيره عنها -على هول ضجيجها- يبقى صامتًا.
حدثوني أنتم عن آراءكم، هل يقتل الإكتئاب الفن أم يحييه؟ أو أنه يقتل الفنان ويخلّد فنه؟
*اقرأ: الكتابة كمحاولة للتعافي:
التعليقات