.
{ فقدان ذاكرة الطفولة }
لماذا ننسى ذكريات طفولتنا أو تكون مشوشة؟
في سنواتنا الأولى؛ تنمو لدينا خلايا عصبية جديدة في منطقة الحُصيْن وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الأحداث وتشكيل ذاكرتنا مع مساعدة باقي مناطق الدماغ،
والنمو المتسارع للخلايا العصبية في بداية حياتنا كأطفال؛ لأن كل شيء للطفل هو أول مرة يراه ويسمعه ويلمسه ويتذوقه ويشمه، فيتم معالجة وترتيب المعلومات والشبكات العصبية الكثيرة في منطقة الحُصيْن والتي تكون إمكانياتها متواضعة في بداية حياتنا، وهذا الضغط يؤدي إلى مسح وإعادة كتابة الملفات القديمة..
المشكلة تكمن في أنه قبل عمر أربع سنوات، كان الدماغ يخزن الأحداث بصيغة بدائية، ويحفظها كحواس مجردة "خام":- كالإحساس بالخوف والأمان أو مذاق طعام معين أو رؤية لون... هذه الذكريات لم تكن مدمجة أو معرّفة بواسطة كلمات لأنك لم تملكها؛ أنت تعرف شعور "الحليب" وتعرف وجه "أُمك"، لكن ليس لديك في دماغك لافتة مكتوب عليها "حليب" أو "أمي".
ومع غياب الراوي "الهوية الداخلية" وغياب نظام التشفير باللغة والمفاهيم؛ فأنت لا تشعر أنك أنت المنفصل عن العالم من حولك، بل ترى نفسك والعالم كشئٍ واحد، إذا بكيت فالعالم كله يبكي، وإذا جعت فالعالم كله يجوع.
لماذا الراوي مهم؟
لأنه ذاتك؛ فذاكرتك ليست مجرد كاميرا تلتقط الصور وتسجل الفيديو، الذاكرة تحتاج إلى "شخص أو ذات" يقف خلف الكاميرا ليقول: "أنا الذي أرى هذا". هذا الشخص هو "الراوي".
وعينا بذاتنا ينمو بالتدريج قبل سن الرابعة، ففي حدود سن العامين، يبدأ الطفل بالتعرف على نفسه في المرآة حيث يدرك أنها نفسه وليست شخصًا آخر،
في حدود سن الرابعة، يكتمل بناء مفهوم الوعي الذاتي. وعندها يظهر الراوي (ولادة الـ "أنا") وتدرك أنك شخص ولك اسم ولك ماضٍ حدث أمس، ومستقبل سيحدث غدًا، فيمسك الراوي القلم ويبدأ في كتابة كتاب حياتك وذكرياتك، لذلك تبدأ ذكرياتك الواضحة فقط من النقطة التي استيقظ فيها هذا الراوي وبدأ يسجل الأحداث من وجهة نظره الشخصية.
عندما تصبح بالغًا، يحاول نظام تشغيل دماغك الحالي الذي لا يقرأ إلا ملفات مشفرة باللغة والمفاهيم أن يفتح الملفات القديمة المشفرة بالأحاسيس الخام فقط؛ والنتيجة هي نسيان هذه الذكريات أو عدم تذكرها كأحداث مرتبة ومتسلسلة.
ملاحظات مهمة؛
● عمر الأربع سنوات ليس حدًا قاطعًا، وإنما نقول في حدود الأربع أو الخمس سنوات يكتمل النظام ويستقر.
● الذكريات القديمة لا تُمحى كليًا بل يتغير شكلها، و تتحول إلى قوالب نفسية تشكل شخصيتنا وطريقة ارتباطنا بالآخرين، حتى لو كنا عاجزين عن تذكرها بالكامل أو صياغتها بالكلمات في قصة.
.
التعليقات