في عالم العلاقات الإنسانية، تبرز معضلة نفسية متكررة تثير الكثير من التساؤلات: لماذا يبدو الشخص غير المبالي أو "صعب المنال" أكثر جاذبية في كثير من الأحيان من الشخص المتاح الذي يسعى دائماً لإرضاء الطرف الآخر؟ إن هذا السلوك ليس طبعاً فطرياً يختص بجنس دون آخر، بل هو نمط سيكولوجي معقد يشترك فيه البشر عموماً، ويمكن تفكيكه وفهمه من خلال نقطتين رئيسيتين:
أولاً: مبدأ الندرة ووهم القيمة العالية
يميل العقل الباطن تلقائياً إلى تقدير الأشياء الصعبة والبعيدة، وتطبيق هذا المبدأ على العلاقات يفسر جزءاً كبيراً من هذه الجاذبية. عندما يقدم شخص ما مشاعره واهتمامه بشكل مفرط ومجاني وبلا حدود، فإن الطرف الآخر قد يترجم هذا السلوك (دون وعي) على أن هذا الشخص "مضمون البقاء"، مما يقلل من قيمته ومكانته في معايير الجاذبية.
في المقابل، فإن الشخص غير المبالي أو المستقل عاطفياً يعطي انطباعاً زائفاً بالقوة والاستقلالية العالية؛ فالغموض الذي يحيط به وعدم مبالاته يثيران غريزة التحدي والسعي لدى الآخرين، حيث يرى العقل في الوصول إليه فوزاً بـ "جائزة ثمينة ونادرة"، وهو ما يجعل تصرفاته البسيطة أو اهتمامه النادر يحمل قيمة مضاعفة مقارنة باهتمام الشخص المتاح دائماً.
ثانياً: عقدة "تكرار الصدمة" والبحث عن الثقة
ترتبط الخيارات العاطفية للإنسان في كثير من الأحيان بنشأته وبيئته الأولى؛ فالأشخاص الذين عاشوا طفولة كان الحب فيها مشروطاً أو كان أحد الأبوين فيها جافاً وعاطفته بعيدة المنال، يتبرمج عقلهم الباطن على رابط تلقائي مفاده أن "الحب الحقيقي هو الحب الذي يتطلب النضال والتعب لأجله". بناءً على ذلك، يصبح الشخص الواضح الذي يرجو الرضا مصدراً للملل لأنه لا يشبه المفهوم المألوف للحب داخلهم، بينما ينجذبون للشخص غير المبالي كفرصة غير واعية لإصلاح الماضي والفوز بالطرف الصعب.
من جهة أخرى، يخلط الكثيرون بين "عدم المبالاة" و"الثقة بالنفس". فالمرأة أو الإنسان بشكل عام يبحث بطبيعته عن شريك واثق وقوي، والشخص غير المبالي يرتدي قناع الاستقلالية وعدم الاحتياج، وهو قناع جذاب جداً في البداية. أما الاندفاع المبالغ فيه لإرضاء الطرف الآخر على حساب الحدود الشخصية والكرامة، فقد يُترجم في علم النفس السلوكي كعلامة على "الاحتياج" وضعف الشخصية، وهو أمر ينفر الطرف الآخر عاطفياً وينزع من العلاقة توازنها المطلوب.
نقطة التحول: متى يتغير هذا المسار؟
هذا الانجذاب للشخص غير المبالي غالباً ما يكون في المراحل العمرية المبكرة أو مراحل عدم النضج العاطفي.
مع مرور الوقت، والتجارب، والنضج النفسي، يكتشف الإنسان أن "الإهمال وعدم المبالاة" ليس قوة بل هو إما جفاف عاطفي أو نرجسية، وأن العلاقة مع شخص غير مبالٍ هي استنزاف مدمر للصحة النفسية. هنا يحدث التحول الجوهري، ويصبح الشخص الناضج، الواثق، الذي يعطي الحب والأمان والملتزم بالمسؤولية، هو الخيار الوحيد الجاذب والمطلوب لبناء حياة مستقرة.
التعليقات