ليست المشكلة في مرور الزمن بحد ذاته، فالأيام تمضي على الجميع بالوتيرة نفسها، لكن الفارق الحقيقي يكمن في ما تتركه هذه السنوات داخلنا وحولنا. حين تمرّ عشر سنوات كاملة دون تغيّر يُذكر في نضجك الفكري ي، أو نضجك الاجتماعي، أو استقرارك النفسي، فالأمر لا يعود مجرد صدفة أو مرحلة عابرة، بل يصبح إشارة تستحق التوقف والانتباه.

في عمر العشرينات والثلاثينات، تتكاثر الفرص وتتشكل الملامح الأولى للحياة. هي سنوات التأسيس، والتجربة، والخطأ، وإعادة المحاولة. لكن استمرار النمط نفسه دون مراجعة، أو البقاء في المكان ذاته رغم كل ما مرّ من وقت، قد يعني أن شيئًا ما في طريقة التفكير أو إدارة الحياة يحتاج إلى إعادة نظر.

المشكلة لا تكمن فقط في ما فات، بل في ما يمكن أن يتكرر. فحين تمرّ عشر سنوات أولى دون تقدّم حقيقي، فإن تكرار التجربة لعشر سنوات أخرى يضاعف الخسارة، ويجعل التغيير أكثر صعوبة. ومع الدخول في الأربعين أو الخمسين، لا يصبح الأمر مجرد تأخير، بل اقترابًا من منطقة أكثر حساسية، حيث تقلّ المساحات المتاحة للتجربة، وتزداد كلفة الأخطاء.

إن ضياع الفرص لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل بهدوء عبر السنوات، حتى يجد الإنسان نفسه وقد خسر جزءًا كبيرًا مما كان ممكنًا. وربما يكون أخطر ما في الأمر هو الاعتياد؛ أن يعتاد الإنسان وضعًا لا يريده، ويؤجّل التغيير حتى يصبح التأجيل أسلوب حياة.

هذا ليس دعوة للخوف، بل دعوة للانتباه.

وليس حكمًا على الماضي، بل محاولة لفهمه، حتى لا يتكرر.

ولعلّ الأصل في وجودنا لا يكمن في البقاء فقط، بل في التقدم والنطور

فمنذ اللحظة الأولى، نولد بلا خبرة تُذكر، ثم يبدأ في التشكّل التدريجي؛ نتعلّم، نُخطئ، نجرّب، ونعيد المحاولة. وكأن جوهر الحياة قائم على هذا التدرّج المستمر من البساطة إلى النضج، ومن الإمكان إلى التحقّق.

إن السعي نحو التقدّم، سواء كان فكريًا أو نفسيًا أو ماديًا، ليس ترفًا، بل جزء من طبيعة الإنسان. فالعقل خُلق ليتطوّر، والنفس تميل بطبيعتها إلى التحسّن، والتجارب وُجدت لكي تُفهم وتُستثمر، لا لكي تمرّ دون أثر. لذلك، حين نصل إلى مرحلة عمرية متقدمة دون أن نحمل معنا حصيلة واضحة من الخبرة أو الفهم أو الإنجاز، فإن ذلك لا يمكن اعتباره أمرًا عاديًا، بل هو إشارة إلى وجود خلل ما قد يكون في طريقة التفكير، أو في إدارة الحياة، أو في القدرة على التعلم من التجربة.

ولو تأملنا مسار الحياة بشكل أوسع، لوجدنا أنه يتكوّن من مراحل، لكل مرحلة ملامحها ودورها:

في السنوات الأولى، حتى نهاية الطفولة، يكون الإنسان في طور التشكّل؛ يتلقى أكثر مما يعطي، ويتأثر أكثر مما يؤثّر.

في مرحلة العشرينات، تبدأ ملامح الوعي في التكوّن، ونبدأ في بناء إدراكنا للعالم من حولنا.

أما في مرحلة الثلاثينات، فهي مرحلة الانطلاق الحقيقي؛ حيث تتفتح الإمكانات، وتُختبر القدرات، ونبدأ بوضع أولى خطواته نحو تحقيق ذاته.

وفي مرحلة الأربعينات ، يفترض أن تتبلور النتائج، وتظهر ثمار الجهد في شكل إنجازات أكثر وضوحًا واستقرارًا.

ثم تأتي مرحلة الخمسينات، حيث ينظر الإنسان إلى ما أنجزه بنوع من الوعي الأعمق، ويسعى إلى تثبيت ما بناه أو إعادة تصحيحه.

وفى الستينات، تبدأ مرحلة الحصاد النسبي، حيث تتضح معالم الطريق الذي سلكه الإنسان، وتظهر نتائج اختياراته بشكل أكثر صراحة.

أما ما بعد ذلك، فهو امتداد لما سبق؛ إمّا استثمار لما تم بناؤه، أو محاولة متأخرة لتدارك ما فات.

ولا يعني هذا التقسيم أنه قانون صارم، بل هو إطار عام يساعدنا على فهم إيقاع الحياة. لكن الفكرة الجوهرية تبقى واحدة:

أن لكل مرحلة فرصة، ولكل فرصة ثمن إن ضاعت.

ومن هنا، فإن التوقّف الطويل دون نمو، أو العيش لسنوات دون تحوّل حقيقي، لا يعني فقط تأجيل النجاح، بل قد يعني الابتعاد التدريجي عن المسار الطبيعي للحياة نفسها.

إنّ أغلب الناس يعيشون حياتهم وكأنهم يطفون على سطحها، دون أن يعرفوا إلى أين يذهبون، أو من هم بالضبط. كثيرون لا يملكون إجابة حقيقية لسؤال بسيط لكنه جوهري: من أنا؟

من هذا السؤال تبدأ كل رحلة نحو النجاح، وكل قرار هادف، وكل إنجاز حقيقي.

غياب معرفة الذات لا يولّد مجرد شعور بالضياع؛

إنه يجعل الشخص يمرّ بأيامه، وشهوره، وسنواته، وكأنه يسير على عكاز لا يعرف إلى أين يقوده. يقرر بناء حياته على الصدفة، أو على توقعات الآخرين، أو على معايير غير مفهومة، بدل أن يختار لنفسه مسارًا واضحًا.

المؤسف أن كثيرًا من هذه الفجوة ليست مسؤولية الشخص وحده، بل جزء منها ناتج عن نظام التعليم والمجتمع المحيط. تُعلَّم المعرفة النظرية، والثقافة العامة، والمعلومات العلمية، لكن كيف يعيش الشخص حياته، وكيف يعرف ذاته، وكيف يحدد أهدافه، وكيف يخطط لمساره… هذه ا

لمهارات غائبة تقريبًا.

بقلم /جلنار آدم