يا ما تحت السواهي دواهي"، عبارة لم تجُد بها قريحة الأجداد عبثاً، بل كانت تحذيراً عابراً للأزمان ينطبق اليوم أكثر من أي وقت مضى على شاشاتنا المضيئة التي نحملها بين أيدينا، ففي عمق هذا الفضاء الرقمي المتلألئ تدور رحى حربٍ صامتة لا يسمع فيها دوي المدافع ولا أزيز الرصاص، بل هي معركة سلاحها الكلمة والصورة والإعجاب، وتُعرف في أروقة السياسة والأمن بأسلوب عمليات التأثير الرقمية الخارجية، تلك اللعبة الخفية التي تمارسها دولٌ وجهاتٌ خارجية تخلت عن الدبلوماسية الشفافة والواضحة لترتدي عباءة التخفي، متسللةً عبر الحدود الرقمية كالأشباح لزرع أفكارٍ ليست منا، ولقيادة عقولنا نحو وجهاتٍ لم نخترها، في مشهدٍ يشبه مسرح الدمى حيث الخيوط رفيعةٌ جداً لدرجة أن الضحية تتحرك ظانةً أنها حرة بينما هي في الحقيقة ترقص على إيقاعٍ يضبطه لاعبٌ أجنبي قابعٌ في الظل.
تختلف هذه العمليات عن الدبلوماسية التقليدية النظيفة كما يختلف الليل عن النهار، فبينما تأتيك السفارات والبعثات الرسمية بوجهٍ مكشوف ومصافحة علنية، تأتيك عمليات التأثير هذه متلثمةً، تسعى جاهدةً لطمس هويتها وإخفاء مصادرها، وهدفها ليس بناء الجسور بل حفر الخنادق داخل المجتمعات المستهدفة، إذ تسعى هذه الجهات الأجنبية لتحقيق مصالحها الاستراتيجية بدم بارد، واضعةً نصب أعينها تفتيت النسيج الاجتماعي للدول الأخرى، فتبدأ بالتلاعب بالرأي العام وكأنه عجينٌ طيع، موجهةً مشاعر الغضب أو الرضا لدى المواطنين نحو قضايا بعينها، لتزرع الشك في كل شيء، فتارةً تضرب الثقة في المؤسسات الوطنية وتجعل المواطن يرى حكومته عدواً وإعلامه كاذباً، وتارةً أخرى تتسلل إلى قدسية صناديق الاقتراع، محاولةً العبث بنتائج الانتخابات أو على الأقل إقناع الناس بأن أصواتهم لا قيمة لها، مستخدمةً في ذلك سلاح المعلومات المضللة الذي ينشر الفوضى ويجعل الحقيقة تضيع وسط ضباب الأكاذيب المصممة بعناية فائقة لخدمة أجندات عسكرية أو اقتصادية لتلك الدولة المعتدية.
ولكي تكتمل فصول هذه المسرحية المخادعة، لا يأتي هؤلاء اللاعبون بأيدٍ فارغة، بل يمتلكون ترسانةً مرعبة من الأدوات الرقمية المتطورة، فيطلقون جيوشاً جرارة من الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني التي لا تكل ولا تمل، تهاجم وتدافع وتنشر الشائعات لتوحي للمراقب بأن هناك تياراً شعبياً جارفاً مع أو ضد قضية ما، بينما الحقيقة هي مجرد أكواد برمجية وحسابات مدارة عن بعد، مستغلين بذكاء خبيث خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي تفضل الإثارة على الحقيقة، ليتلاعبوا بعواطف الناس عبر هندسة اجتماعية ونفسية دقيقة تدفعهم لمشاركة السموم الرقمية دون وعي، وقد يتطور الأمر ليصل إلى اختراقات إلكترونية وسرقة بيانات حساسة تُستخدم لاحقاً كوقودٍ لحملات التشويه، ليشكل كل ذلك في النهاية مشهداً بانورامياً لعملية تلاعب كبرى، تحول الفرد من مواطن ذي سيادة إلى بيدقٍ صغير في رقعة شطرنج تديرها دولة أخرى ببراعة ودهاء.
التعليقات