​نحن نعيش في عصر يقال فيه إن الضوء هو الأسرع، لكن في فيزياء الوعي المعاصر، هناك ما هو أسرع: إنه الظل. إذا مددت ظلاً من الأرض إلى أبعد مجرة، فإن حركة بسيطة من المصدر تجعل طرف الظل هناك يتحرك بسرعة تتجاوز سرعة الضوء بملايين المرات. هذه هي "هندسة الظلال" التي تمارسها الكيانات التقنية الكبرى اليوم؛ إنها لا تنتظر فعلك، بل تسبقه خوارزميات تتوقع رغباتك وتقبض على انتباهك (قبض يسيراً).

​ولكن، ما هو الثمن الذي ندفعه مقابل هذا الانبهار الرقمي؟

​استلاب اللغة واستقامة العقل: اللغة ليست وسيلة تواصل فحسب، بل هي وعاء الفكر. عندما تضيق لغتنا وتتشوه، ينعوج العقل. لقد نجحت هندسة الظلال في إحلال "لغة هجينة" وتفاهة رقمية أبعدتنا عن رصانة الفكر واستقامة المنطق.

​الحرب على الفطرة والبيئة: لم يكتفِ النظام الحديث بتلويث العقول، بل انتقل لتسميم الجذور. عبر المبيدات والأسمدة الكيماوية التي تنهي الإنسان من الداخل وتضرب خصائصه الحيوية، واستنزاف المياه الذي يسرق حق الأجيال القادمة. نحن نغذي "آفات" ستتطور يوماً ما لترعى على سمومنا وتطغى علينا.

​سجون الخرسانة وطعام الموت: لقد عُزل الإنسان في مدن أسمنتية تفصله عن ضوء الشمس وتراب الأرض، وأُحيط بغذاء مصنع يقتل الخلايا ويخدر الحواس.

​إننا نعيش صراعاً بين "السيادة الفطرية" وبين "التبعية الرقمية". السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل فوات الأوان: هل ما زلنا نملك القدرة على الرجوع الصادق؟ أم أن الظلال قد امتدت حتى حجبت عنا رؤية الحقيقة؟