مضى شهر على إعلامي بالإستغناء عن خدماتي..قضيت إثنتا عشر سنة من حياتي أتساءل كل صباح...هل هذا ما اردته؟ هل هذا ما أستحقه..نسق متكرر مرهق أعيشه لثماني ساعات أقضي معظمه في الإستماع إلى حديث صديقتي المتبرمة من ضعف الراتب و غلاء المعيشة و تثاقل الأيام...لم احب هذا العمل أبدا...معلمة رياضيات ...أشعر دائما بأنني أحضى بالمحبة الصادقة من طالباتي في نهاية السنة فقط...حينها يستشعرن كم كنت جدية و مثابرة و منضبطة و مجتهدة..حتى أنهن يبالغن في تذكير ي بذلك اليوم الذي تأخرت فيه لمدة دقيقتين عن الحصة و كيف ركضن إلى غرفة المعلمات ليسألن عني بهلع قبل أن أظهر لهن و أنا أحمل حزمة ( السبورات البيانية ) و اكرر بحرص ( عدن إلى الصف بسرعة...بسرعة تأخرنا)... تراسلني ( حميدة )الصامتة على الدوام لتقول أنها بكت بحرقة عندما علمت بتسريحي و أنها كانت تأمل أن أرافقها في السنة القادمة...لم تتحدث ( حميدة ) معي كما تفعل زميلاتها...ظلت طوال الوقت هادئة منتبهة و مبتسمة كلما التقت نظراتنا في الممر...( ليلى) قدمت لي وردة...قالت أنني أبدو طيبة جدا و أنه كان من الأفضل أن أكون مدرسة لغة عربية أو تربية إسلامية لكن الرياضيات صنعت بين محبتها لي و بيني حاجزا يصعب اختراقه ..ضحكت قبل أن توافيني ( هيا) و تتحدث ككل مرة بتلك السذاجة التي صارت و لسبب لا اعرفه محببة إلى قلبي...( سنزورك في تونس...أبي قال إننا سنذهب إلى هناك ...سٱراك) حركت رأسي بمرح ( نعم...سأحرص على أن أستضيفك في بيتنا أنت و كل عائلتك)...واصلت طريقي...و كانت بانتظاري...( زهراء)...زميلتي...صديقتي ...ابتسمت و هي تغالب دموعها...(وصلني الخبر)

بدوت مرحة جدا و أنا أقول: لقد أوصيت لك بمكتبي...ستجلسين فيه من بعدي...

رمقتني بحزن: لا أريد المكتب.

همست : بل ستحصلين عليه...قريب من النافذة و مطل على الساحة و به جهاز تحكم في التكييف...ستشعرين بأنك في جناح ملكي...

ابتسمت بينما قلت بٱرتياح : يجب أن ينتهي كل هذا ...لم أعد أشعر بقدرتي على التغيير

..الأمر أشبه بربط يديك و قدميك و إجبارك على الدخول في سباق للركض...لا أستطيع ذلك حقا...

عانقتني و قلت بمرح: سأكتب القصص و الروايات...سأحصل على بعض المال و سأبدأ حلمي...

لم ابدأ...شهر كامل و أنا أرمم ما تركه قرار الإستغناء بداخلي و ما بثه من فوضى في حياتي...و ما تبعه من يأس و عجز مادي و معنوي...أقف على ناصية الحلم و لا رغبة لي في القتال...أريد ان أرتاح و حسب و أن أعود إلى هوسي بالقراءة و الكتابة...و أن أنسى ل ما مر علي و كأنه لم يكن...

...