رمضان شهر الخير والتكافل الاجتماعي، حيث تفيض القلوب بالمودة والرحمة، ويعيش المسلمون أجواء روحانية تملؤها السكينة والتقرب إلى الله. في هذا الشهر الفضيل، تتنوع العادات والتقاليد في مختلف أنحاء العالم، ومن بين العادات الكويتية الأصيلة التي تعكس قيم العطاء والمشاركة، عادة نقصة رمضان.
نقصة رمضان (تُنطق بالقاف الفصيحة) هي تقليد اجتماعي يتمثل في تقديم هدايا أو سلال غذائية إلى الأهل، الأصدقاء، والجيران قبل دخول شهر رمضان. تعبيرًا عن الفرح بقدوم الشهر الكريم، تتنوع النقصة بين الأطعمة الأساسية مثل التمر، الدقيق، والسكر، وبين الحلويات الرمضانية والمستلزمات المنزلية الأخرى. في جوهرها، تعكس هذه العادة قيم التكافل الاجتماعي وروح المشاركة التي تميز رمضان.
· أصول نقصة رمضان عبر التاريخ
تمتد جذور نقصة رمضان إلى العادات القديمة في شبه الجزيرة العربية، حيث كان تبادل الطعام بين الجيران والأقارب تقليدًا متوارثًا يعزز العلاقات الاجتماعية والتكافل بين أفراد المجتمع. في الأزمنة السابقة، كانت العائلات الكويتية والخليجية تتبادل المواد الغذائية الأساسية مع اقتراب الشهر الفضيل، خصوصًا أن الأسواق لم تكن متوفرة كما هي اليوم، مما جعل تبادل النقصة ضرورة اجتماعية أكثر من كونها مجرد عادة.
ولم تكن الكويت وحدها في هذه العادة، بل تشترك دول الخليج العربي في مفهوم النقصة، وإن اختلفت تسمياتها وطريقة تقديمها. في السعودية، تُعرف بمفهوم قريب يُسمى “إفطار الجار”، حيث يحرص الناس على تقديم وجبات رمضانية لبعضهم البعض. أما في الإمارات، فيتم تقديم “الفوالة الرمضانية” التي تتضمن الهدايا الرمضانية والحلويات التقليدية. في البحرين وقطر وعُمان، تحافظ العائلات على عادة تبادل الأطعمة والهدايا الرمضانية كجزء من الاستعداد لاستقبال الشهر الكريم، مما يعزز روح الألفة والتآزر بين الأفراد.
لكن في السنوات الأخيرة، شهدت هذه العادة تحولًا ملحوظًا، حيث أصبحت مكلفة بشكل متزايد، وارتبطت في بعض الأحيان بالمبالغة والتفاخر. لم تعد النقصة مجرد بادرة لطيفة تهدف إلى نشر الخير، بل تحولت لدى البعض إلى منافسة غير معلنة حول من يقدّم النقصة الأغلى والأفخم، مما أفرغها من معناها الأصلي وأثقل كاهل البعض الذين يشعرون بضغط اجتماعي لمجاراة هذا البذخ.
· الرؤية الدينية للنقصة: بين التكافل والإسراف
في الإسلام، يُعتبر الكرم والتكافل الاجتماعي من القيم الأساسية، خاصة في شهر رمضان الذي تتضاعف فيه الحسنات. يقول النبي محمد ﷺ: “مَن فَطَّرَ صَائِمًا كان له مثلُ أجرِه غيرَ أنَّه لا يَنْقُصُ مِن أجرِ الصَّائمِ شيءٌ” (رواه الترمذي). يدل هذا الحديث على أهمية العطاء والبذل في رمضان، لكن دون الوقوع في الإسراف أو المبالغة التي قد تُثقل كاهل المعطي أو تُبعد العادة عن مقصودها الأساسي.
كما يحث الإسلام على الاعتدال في الإنفاق وتجنب الإسراف، حيث يقول الله تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف: 31). هذه الآية تضع ضابطًا واضحًا للتصرفات المالية، حيث لا يُمانع الإسلام في العطاء والكرم، لكنه يُحذر من أن يتحول ذلك إلى إسراف غير مبرر أو منافسة اجتماعية هدفها التفاخر.
بالتالي، يمكن القول إن النقصة إذا كانت بسيطة ونابعة من نية صادقة لمساعدة الآخرين أو مشاركة الفرح، فهي محمودة وتدخل في باب الصدقة والتكافل الاجتماعي. أما إذا تحولت إلى وسيلة للتفاخر والتباهي، بحيث يتكبّد البعض تكاليف باهظة فقط لإظهار مستوى معين من الفخامة، فقد تخرج عن إطارها الروحي وتدخل في دائرة التبذير غير المحمود.
هذا الموضوع يُناقش كل عام مع اقتراب رمضان، لكن التذكير به يظل مهمًا، فالذكرى تنفع المؤمنين. لا أهدف هنا إلى إطلاق الأحكام على من يختارون تقديم النقصة بأسلوب فاخر، فلكل شخص حرية التصرف بما يراه مناسبًا. لكنني أطرح بعض الأسئلة التي قد تساعد في التفكير بعمق في الدوافع وراء هذه العادة:
١-هل تعرف/تعرفين الأصل الحقيقي لهذه العادة؟
٢-كيف تطورت عبر الزمن؟
٣-ما الهدف الحقيقي الذي تسعى/تسعين لتحقيقه من خلالها؟
٤-هل تحتسب/تحتسبين الأجر في إسعاد الشخص الذي تهديه النقصة، أم أن دافعك الأساسي هو التميز والتفوق على الآخرين؟
٥-هل أصبحت النقصة عبئًا ماليًا عليك، أم أنك سعيد/سعيدة بتقديمها بغض النظر عن تكلفتها؟
الهدف هنا ليس انتقاد العادة بحد ذاتها، بل دفع الجميع إلى التفكير النقدي حول الأسباب التي تدفعهم للقيام بها. هل يتم تقديمها عن قناعة شخصية أم فقط لأن العادة جرت على ذلك؟
لا بأس في اتباع التقاليد إذا كانت تعني شيئًا، حتى لو كانت مكلفة، طالما أن القرار نابع من وعي وإدراك وليس مجرد تقليد أعمى. الأهم هو أن تكون لدينا رؤية واضحة ووعي شامل عند القيام بأي تصرف، حتى لا نتحول إلى مجرد أفراد في قطيع يتبع العادات دون تفكير أو تساؤل.
د. وفاء راشد المليفي
دكتوراة في أصول التربية
جامعة اكسيتر - المملكة المتحدة
المراجع
• الترمذي، أبو عيسى. (2007). سنن الترمذي. تحقيق: أحمد شاكر. دار إحياء التراث العربي.
• القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 31.
• العجمي، ح. (2022، 14 أبريل). “نقصة رمضان عادة كويتية تعكس التكافل الاجتماعي”. جريدة القبس. تم الاسترجاع من https://www.alqabas.com/art...
• الهاجري، م. (2021، 10 مايو). “النقصة في دول الخليج: كيف تحولت العادات الرمضانية إلى موضة؟”. إندبندنت عربية. تم الاسترجاع من https://www.independentarab...
• الديحاني، ف. (2023، 12 أبريل). “النقصة عادة شعبية رمضانية تنتقل إلى المتاجر الإلكترونية”. إندبندنت عربية. تم الاسترجاع من
• المسباح، س. ع. (2020، 20 مايو). “عادة كويتية قديمة.. كورونا يغيب النقصة”. الجزيرة نت. تم الاسترجاع من https://www.aljazeera.net/l... عادة-كويتية-قديمة-كورونا-يغيب
• “طبق «النقصة الرمضانية» عادة متوارثة بين الأهل والجيران دخلت العصرية”. (2019، 7 مايو). مجلة سيدتي. تم الاسترجاع من
• الشامسي، س. (2020، 5 مايو). “تاريخ الفوالة الرمضانية في الإمارات ودورها في تعزيز التواصل الاجتماعي”. الخليج تايمز. تم الاسترجاع من
التعليقات