مجتمع للمبدعين لمناقشة وتبادل الأفكار حول التدوين وصناعة المحتوى. ناقش استراتيجيات الكتابة، تحسين محركات البحث، وإنتاج المحتوى المرئي والمسموع. شارك أفكارك وأسئلتك، وتواصل مع كتّاب ومبدعين آخرين.
أنا واحد من الذين كانوا هناك .. هذه حكايتي المتواضعة من أمام معبر رفح
لا أكتب هذا الكلام لأتحدث عن نفسي، ولا لكي يظهر اسمي أكثر من العمل نفسه. أنا فقط شاب من مدينة العريش، من بين مئات الشباب من شمال سيناء الذين لبوا النداء عندما حانت الفرصة. هي فقط توثيق ما حدث، سأحكي ما رأيته وعشته بقلبي، كما هو، بلا مبالغة.
البداية.. منشور صغير هز القلب
في تلك الأيام من أكتوبر 2023، كانت الأخبار قاسية. صور غزة، وأصوات القصف التي كنا نسمع صداها ونحن في العريش، تجعل أي إنسان يشعر بالعجز.
كنت وقتها مثل غيري أتابع الفيسبوك، حتى قرأت منشوراً بسيطاً من الناشط مصطفى الغول، يقول فيه إنهم يحتاجون شباب متطوعين للمساعدة في تجهيز شاحنات المساعدات الإنسانية المتجهة إلى غزة، في الساحة المقابلة لمعبر رفح من الجانب المصري.
لم أفكر كثيراً. شعرت أن هذا هو الباب الوحيد المفتوح أمامي لأفعل شيئاً، ولو كان بسيطاً جداً. تواصلت معه وقلت له: أنا موجود، وإن شاء الله سأحاول أن آتي ومعي بعض الشباب.
لم أسعى حينها القيادة. كنت فقط أريد ألا أذهب وحدي، كنت أريد فريقا جماعيا للعمل معا ونشجع بعضنا. تحدثت مع بعض الشباب، وكل واحد تحدث مع صديقه، وفي أقل من ساعة، وجدنا أنفسنا حوالي 40 شاباً من العريش، كلنا على استعداد للتحرك إلى رفح. ثم تجمعنا وخلال وقت قصير تحركنا.
كنت أحاول فقط أن أنظم الفريق وأعدهم، حتى نصل بسلام ولا نكون عبئاً على العمل هناك. لم أكن قائداً بالمعنى الذي يتصوره الناس، كنت مجرد أخ يحاول أن يجمع إخوته على خير.
الطريق إلى رفح.. والوصول إلى ساحة العمل
الطريق من العريش إلى رفح ليس بعيداً في المسافة، لكنه كان طويلاً في المشاعر. كنا صامتين أغلب الطريق، كل واحد يفكر. كنا نرى على طول الطريق شاحنات المساعدات قادمة من كل محافظات مصر، من القاهرة والإسكندرية والصعيد، كلها متجهة إلى نفس النقطة: معبر رفح.
عندما وصلنا إلى الساحة، كان المشهد أكبر من أي وصف. ساحة واسعة مليئة بالشاحنات العملاقة، وتلال من الكراتين، وشباب كثيرون يعملون بلا توقف. منظر يفرح القلب ويحزنه في نفس الوقت.
كان هناك فريق من إخوتنا من مدينة الشيخ زويد قد سبقونا بحكم قصر المسافة، أنهوا ورديتهم وكانوا يستعدون للعودة. تصافحنا وتعانقنا معهم، وكأننا نستلم منهم الأمانة. قالوا لنا: "ربنا معاكم، الحاجة كتير ومحتاجة ترتيب".
بدأنا العمل فوراً. لم يكن هناك وقت للكلام.
طبيعة العمل.. ماذا كنا نفعل أمام معبر رفح
قد يظن البعض أن تجهيز المساعدات هو مجرد وضع كراتين في شاحنة، لكن الحقيقة أن العمل كان يحتاج إلى مجهود ودقة.
كانت تأتي الشاحنات الكبيرة محملة بشكل عشوائي من التبرعات من كل مكان. مهمتنا نحن متطوعو شمال سيناء كانت:
تفريغ الشاحنة بالكامل على الأرض.
فرز المساعدات: المواد الغذائية وحدها، الأدوية والمستلزمات الطبية وحدها، البطاطين وحدها.
إعادة التعبئة والترتيب بطريقة لوجستية صحيحة، حتى لا تفسد المواد في الطريق وحتى يسهل توزيعها داخل غزة.
إعادة تحميلها مرة أخرى في شاحنات أخرى مجهزة للعبور من معبر رفح.
كنا نعمل بأيدينا. لا معدات ثقيلة، فقط سواعد الشباب. نحمل، ننقل، نرتب. يحيطنا الليل والبرد، والتعب يظهر على وجوهنا، لكن لا أحد اشتكى. كنت أرى شاباً يتصبب عرقاً ويبتسم ويقول لزميله: "هات اللي بعده". كان هناك سباق جميل في الخير.
أتذكر أن أحد الشباب، محمد جهاد الخليلي، قال لي جملة لا أنساها: "والله يا بشمهندس محمد إحنا عايشين أحلى يوم في حياتنا، عرقنا ده غالي لأنه رايح لأهلنا".
اللحظة التي لا تُنسى.. بين صوت العمل وصوت القصف
أصعب وأجمل لحظة عشتها هناك، كانت عندما هدأ صوتنا قليلاً وسمعنا صوتاً قادماً من الشرق.
كان صوت القصف على غزة. صوت مرعب، يهز القلب قبل أن يهز الأرض. كلنا توقفنا لثوانٍ ونظرنا إلى السماء جهة غزة. ثم ساد صمت ثقيل جدا.
في تلك اللحظة، شعرت بمشاعر متضاربة لا أستطيع وصفها. سعادة لأني واقف هنا أفعل شيئاً، وحزن عميق لأن إخوتي هناك تحت هذا القصف.
لم نجد ما نفعله إلا الدعاء. وجدت نفسي أرفع صوتي وأقول: "اللهم ثبتهم، اللهم ارحمهم، اللهم اجبر كسرهم". ووجدت كل الشباب حولي، الأربعين شاباً وأكثر، يرددون خلفي بصوت واحد: "آمين". كان صوت دعائنا يحاول أن يغطي على صوت القصف. كانت لحظة إنسانية خالصة، تجردنا فيها من كل شيء.
هذا ليس عملي وحدي.. هذه منظومة خير كبيرة
ما قمنا به نحن الشباب، هو جزء صغير من منظومة كبيرة كانت تعمل هنا .. في شمال سيناء.
عرفت فيما بعد من الأستاذ إسلام عابد، ومن مديرية التضامن الاجتماعي بشمال سيناء، أن هناك خلية كاملة تعمل. هناك مؤسسات المجتمع المدني التي توفر مطبخاً خيرياً يطعم سائقي الشاحنات والمتطوعين، وهناك من يجهز كشوف التبرع بالدم لاستقبال الجرحى الفلسطينيين في مستشفيات العريش ولهذا قصة أخرى لاحقا سأذكرها، وهناك من يرعى الأسر الفلسطينية العالقة التي لم تستطع العودة إلى غزة ومازالت تقيم في فنادق العريش وهذه قصة أخرى أيضا مع فريق آخر يضم إسلام عروج رحمه الله واسلام عابد ومحمد أبو عيطة وآخرين سأذكرهم في قصة أخرى.
ما أذكره جيدا أننا كلنا كنا تروساً في آلة واحدة، هدفها واحد: أن نقول لأهلنا في غزة، نحن معكم.
ماذا تعلمت من تلك الليلة؟
تعلمت أن الخير لا يحتاج إلى منصب أو مال كثير. يحتاج فقط إلى قلب حي. منشور على فيسبوك جمع 40 شاباً في ساعة.
وتأكدت أن أهل سيناء، وخاصة شباب العريش ورفح وبئر العبد والشيخ زويد، معدنهم أصيل. وقت الشدة تجدهم أول الناس.
وتعلمت أن أقل القليل، إذا كان بنية صادقة، يصبح كثيراً عند الله. كرتونة واحدة رتبناها بيدنا، قد تسد جوع طفل هناك.
أنا لا أعتبر نفسي قائداً ولا مسؤولاً كبيراً. أنا كنت مجرد واحد من بين الشباب، حاولت أن أنظم الجهد حتى يخرج بأفضل شكل. الفضل كله للشباب الذين لبوا النداء، ولكل من تبرع، ولكل سائق قاد شاحنته من آخر الدنيا إلى معبر رفح.
أكتب هذا اليوم ليس للظهور، ولكن لتوثيق لحظة إنسانية عشناها جميعاً كـ متطوعين أمام معبر رفح لتجهيز المساعدات لغزة. أريد أن يتذكر أبنائي فيما بعد أننا حاولنا ولو بالقليل أن نفعل أي شيء.. وأن سيناء كانت دائماً في صف الإنسانية.
أسأل الله أن يتقبل منا هذا العمل المتواضع، وأن يجعله خالصاً لوجهه، وأن يفرج عن أهلنا في غزة، وأن يحفظ مصر وسيناء وأهلها.
اليوم السابع ـ متطوعو شمال سيناء.. عمل بلا توقف أمام معبر رفح لتجهيز المساعدات لغزة
محمد البيك
من العريش - شمال سيناء - أحد المشاركين في تجهيز شاحنات المساعدات أمام معبر رفح - أكتوبر 2023
www.mohamedelbeak.wordpress.com
www.mohamedelbeak.wordpress.com
التعليقات