مرحبًا يا رفاق!
"لم أرِد أبدًا تحميل كتاباتي مسؤولية إعالتي"
هذا ما ذكرته المؤلفة إليزابيث جيلبيرت في كتابها "السحر الكبير"، فقد تحدثت عن "أن المجالات الإبداعية قد لا توفر وظائف ذات عوائد مجزية لأصحابها". وهو ما قد يجده البعض ممن كرّسوا حياتهم لفنونهم وآدابهم محبطًا، حيث أنهم سيجدون أنفسهم في حين من الأحيان مضطرين للانخراط في وظيفة عادية بدوام كامل حتى يستطيعوا تحمل تكاليف معيشتهم.
وفي الجانب العملي، أثبت استطلاع رأي وطني أُجري في أستراليا، وشمل 1000 كاتب أسترالي ممن نُشرت لهم مؤلفات من قبل، أن أكثر من 70% منهم لا يعتمدون على الدخل القادم من مؤلفاتهم، إنما يعتمدون في معيشتهم إمّا على وظائف أخرى -غالبًا مرتبطة بالكتابة-، أو على نفقة شركائهم.
إذًا هل الوصفة المثالية بالنسبة للمبدعين هو التمسك بوظائف عادية مع محاولة اختلاس بعض لحظات الصفاء من أجل العمل الإبداعي؟
قرأت مقالة تدوينية لإحدى الكاتبات وهي أيضًا تعمل في مجال التسويق، وتحكي تجربتها بهذا الخصوص، حيث أنها تعتبر نفسها من المحظوظين لأنها تحب عملها، ولكن ساعات العمل الطويلة والمجهود المرهق تسرق منها الكثير من الوقت الذي كان ليكون فرصة ذهبية لإنتاج كتابات إبداعية في زمن قياسي، فينتهي بها الأمر بملاحظات مبعثرة هنا وهناك، عليها جمل مقتضبة، تبدو غريبة وبدون معنى، ولكنها تحمل وراءها فكرة لامعة تنتظر ابتداء عملية البناء.
على الرغم من ذلك، قد تكون محظوظًا من نوع آخر وتحقق كتبك مبيعات عالية وتدرّ لك أرباحًا مجزية، ولكن يبقى هناك عامل لن تستطيع النجاة منه تمامًا وهو "عدم الإستقرار"، أي أننا لا يمكننا الجزم باستمرار الحال على ما هو عليه طويلًا، لا يشبه ذلك حينما تكون محاميًا أو طبيبًا فتكون فرص الإستقرار الوظيفي أعلى بكثير.
ولا يسعني الحديث في موضوع كهذا دون ذكر أبو حيان التوحيدي، نابغة زمانه والذي حملت كتبه ومؤلفاته كنوز معرفية وجمالية لا يسعني حصرها، إلا أنه عاش في ضيق من العيش، ومضى عمره في فقر وبؤس، وهو ما تجلى بوضوح في رسالته لصديقه: "خلصني أيها الرجل من التكفف، أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضر، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، استعمل لساني بفنون المدح، اكفني مؤونة الغداء والعشاء... إلى متى التأدم بالخبز والزيتون؟ قد والله بح الحلق، وتغير الخلق. اللهَ اللهَ في أمري، اجبرني فإنني مكسور، اسقني فإنني صَدٍ، أغثني فإنني ملهوف، شهرني فإنني غفل، حلني فإنني عاطل...".
رحمه الله!
لذلك فإنني أجد توجه جيلبيرت بأن لا نحمل الكتابة عبء الإعالة توجهًا ذكيًا، ليس فقط من ناحية ضمان المعيشة، ولكن حتى في حرية الفكر وجودة الكتابة، فأن تكتب تحت ضغط أنك تريد أن تبيع، أو تكتب وأنت منشغل بالنتيجة التي ستجنيها من العمل لا العمل نفسه، قد يؤدي ذلك إلى عرقلة الإبداع وسحب طاقتك.
ومن الجدير بالذكر، أن مجالات الكتابة لا حصر لها، فأنت كمؤلف روائي أو شاعر مثلًا، يمكنك أن تتوجه في عملك إلى مجال لا يبتعد كثيرًا عن موطن قوّتك وتميزك، مثل أن تعمل في الكتابة التسويقية، أو الكتابة الرسمية، أو كتابة المقالات المدفوعة أو الصحفية وغيرها... المهم أنك في نهاية الأمر لا تعمل عملًا لا تحبه أو لا تبرع فيه، ويمكنك فيما بعد محاولة الموازنة بين الأمرين بما يناسبك.. ناسبتك خطتي؟
وأنتم ما رأيكم، هل الأدب "لا يؤكل عيش"؟
التعليقات