توبة بخيل

كعادة البخلاء في إطلاق نكات البخل الثقيلة، كأن يعرض أحدهم على بائع عشر المبلغ الذي يطلبه في سلعة ما، أو أن يقول لآخر: «أرجعني ما أقرضتك من المال»، وهو لم يقرضه شيئًا، أو يقول لشخص: «ابحث لي عن زوجة غنية»، أو يُلِحّ على صديقه بأن يعزمه على العشاء غصبًا عنه.

يدخل وحيد بيته المهترئ الذي لم يحسن منه شيئًا رغم ما يملكه من سعة مال، وما إن لمح زوجته حتى خطر في ذهنه نكتة ثقيلة، أراد أن يُلطِّف بها الجو.

قال، وهو يجحظ بعينيه ويبتسم ابتسامة مريبة: «دعيني أحزر، هل كسرتِ اليوم صحنًا أو كأسًا؟»

ثم أتبع، وهو يلوح بإصبعه: «إذا فعلتِ، سيدفع أبوك أو أخوك ثمن ما انكسر.»

ثم كرر الجملة الأخيرة بنبرة حازمة. ثم ما لبث أن وقعت هذه العبارة في نفسه موقعًا خطيرًا، واستحسنها أيَّما استحسان، وصار تحقيقها مطلبًا جازمًا.

فانتفخ وجهه، واتسع أنفه، وكررها للمرة الثالثة بغضب شديد، بصوت غليظ مزعج: «ستدفعين الثمن!»

يا للهول! كانت الزوجة واقفة تسمع هذه النكتة التي انحرفت عن مجراها، كأغلب نكات البخل التي يطلقها البخلاء حين تتحول إلى أمر واقع.

كانت تتجرع الخيبة، وتلبس درع الصمت الذي اعتادت عليه منذ عرفته على حقيقته، وتعزم في نفسها على الفرار بجلدها، مثل سابقاتها الستة.

كان وحيد، عند عقده لزيجاته، يبهر العائلات بكلامه وشخصيته، فكان مولعًا بالحديث عن الأخلاق والفضيلة، فيُعجب الأهالي.

لكنه كان يرمي جملةً هناك بين الجمل، هي كل ما يريده من حديثه كله:

«أريد من ابنتكم أن تكون لي سندًا في كل ظرف، وإن اضطررنا إلى أكل الخبز والماء.»

كان الأهالي يقولون: «طبعًا، طبعًا.»

ولكن ما تكتشفه البنت أن السيد وحيد كان يقصد ما يقول؛ إنه الخبز والماء فعلًا.


التعليق السابق

ههههه أخلاق هذا الزمن