----
صدماتُ الحروب 3
النص الثالث: أهي مرارة الموت أم طعم الحياة؟
فتحت عيني ليقابلني سقف عرفته لكثرة رؤيتي له؛ كنت في المشفى. حاولت تحريك جسدي، وبالفعل قد تحرك واعتدلت، لكنني شعرت بجسدي يتحطم أثناء ذلك. نظرت حولي فإذا باللواء يقف بالقرب مني: "مبارك استيقاظك أيها البطل". نظرت إليه ودون إذن مني انهمرت الدموع من عيني وخرج صوتي خافتاً مرتجفاً: "انتصرنا..". كرر اللواء بحماس وبصوت عالٍ: "أجل، لقد انتصرنا!". انتشر الأدرينالين في جسدي ونسيت ألم جسدي وصرخت بحماس والابتسامة غمرت وجهي: "لقد انتصرنا!". ضحك اللواء وقال: أجل فعلنا، والجميع كان ينتظر استيقاظك أيها البطل.
ابتسمت والدموع لا تزال تنهمر من عيني، لا يمكنني التعبير عن سعادتي، وأخيراً انتصرنا، وأخيراً سنعود إلى بيوتنا وعائلاتنا. نظر إلي اللواء وابتسم برقة لم أرها على وجهه مسبقاً: يجب أن تأكل الآن لا أن تبكي. نظرت نحوه بابتسامة ولا يوجد شيء يمكنني قوله للتعبير عن سعادتي. ذهب اللواء لأعود للاستلقاء مجدداً.. انتهت الحرب.. لا مزيد من الخسارة، لا مزيد من الدماء ولا مزيد من الدمار أو الموت، لا مزيد من الفراق.. يا إلهي لا يمكنني تصديق هذا! أغمضت عيني بفرح، فداهمتني صور من ساحة المعركة؛ الدماء، الجثث، العظام، الألم الذي اخترق جسدي إثر الرصاص المنهمر على المخيم، كل لحظة عشناها ننتظر فيها موتنا.. كل هذه اللحظات ستنتهي. إلهي شكراً لك، وأخيراً سأستطيع معانقة والداي وإخوتي والنوم بسلام.
دخل اللواء بعد أن طرق الباب: ماذا؟ هل عدت للنوم؟. فتحت عيناي وقلت بصوت مرهق: لا، لكنني لا أستطيع تصديق أنها توقفت، وأننا سنعود لحياتنا الطبيعية وأخيراً. نظر اللواء نحوي بحدة وقال: اسمعني جيداً، لا وجود لحياة طبيعية بعد الآن.. أنت جندي، لن تعيش بشكل طبيعي أبداً بعد كل ما رأيته في ساحة المعركة، ولن تنظر إلى أي شيء كما يفعل الأشخاص العاديون، ولا كما كنت تفعل قبل انضمامك للجيش. ستعيش بشكل حذر، وبالألم والندوب طوال حياتك؛ هذا هو الثمن الذي تدفعه لتكون جندياً.. حياتك.
صمتٌ عمّ المكان.. هو محق تماماً، محق بشكل مخيف. ضحك الجنرال على تعابير وجهي وقال: حسناً، لكن هذا لا يعني أنك لن تستمتع بحياتك، بل أنت ستقدرها زيادة عن اللزوم فقط، وهذا ليس شيئاً سيئاً. حسناً، على أي حال، انهض وتناول بعض الطعام. قالها وتوجه نحوي وهو يحمل صينية فيها طبق حساء يتصاعد منه البخار. اعتدلت وأخذتها منه ليحني رأسه في تحية ثم يغادر الغرفة: تناوله بالكامل، وإن أردت المزيد سأكون هنا بعد عشر دقائق.
أومأت برأسي كتحية وردٍّ في الآن ذاته، لم أشعر برغبة في التحدث. أصبحت وحدي تماماً في هذه الغرفة البيضاء، رائحة اللحم المطهو جيداً والخضار تسللت إلى أنفي. تناولت ملعقة واحدة فقط، لكنها أرسلت الدفء إلى جسدي، شعرت بأن الدفء قد لامس قلبي.. هذا الطعم المألوف.. تناولت ملعقة أخرى في محاولة لتذكر ما هو هذا الطعم... آه صحيح تذكرت.. إنه طعم الحياة.
• يعيش الجنود في المعارك الموت كل يوم، فينسون طعم الحياة، وتبقى طعم مرارة الموت عالقة في أفواههم لِتُنسيهم طعم الحياة.•
التعليقات