نتاليا جونجزبرج
في كتابها الصغير الفضائل الصغيرة وهو مجموعة مقالات مختارة، تصف فيها رحلة نفيها وزوجها واطفالها الى احدى القرى الفقيرة في ايطاليا (قرية أبروزي) وضع الفقر والقذارة والبرد الشديد والتغريب والاوضاع غير المريحة للعائلة ومع ذلك وبعد عدة سنين من العودة الى المدينة ووفاة زوجها بفترة قريبة من العودة بعد التعذيب، هناك في تلك الفترة وفي بعض فترات الفرح القليلة مثل جولات المشي مع زوجها في الثلج وحصول اطفالها على بعض البرتقال ، والتعرف على صدقات جديدة ،بأن تلك الفترات القصيرة كانت أسعد لحظات حياتها. وتختم المقالة بقولها
"هناك نوع من الرتابة الموحدة في مصير الإنسان. تتكشف حياتنا وفقا لقوانين قديمة غير قابلة للتغيير ، وفقا لإيقاع قديم وثابت. أحلامنا لا تتحقق أبدا وبمجرد أن نراها تتعرض للخيانة ,و ندرك أن أشد أفراح حياتنا لا علاقة لها بالواقع فهي تتجاوز الوقع. ما إن نرى تلك الاحلام تتعرض للخيانة حتى نشعر بالندم على الوقت الذي توهجت فيه بداخلنا. وفي هذه السلسلة من الآمال والحسرات ، تنزلق حياتنا .
توفي زوجي في روما ، في سجن ريجينا كويلي ، بعد بضعة أشهر من مغادرتنا أبروزي. في مواجهة رعب موته الانفرادي ، وفي مواجهة الألم الذي سبق وفاته ، أسأل عما إذا كان هذا قد حدث لنا - لنا ، الذين اشترينا البرتقال من جيرو وذهبنا للتنزه في الثلج. في ذلك الوقت كنت أؤمن بمستقبل بسيط وسعيد ، غني بالآمال التي تحققت ، مع الخبرات والخطط التي تم مشاركتها. لكن هذا كان أفضل وقت في حياتي ، والآن فقط بعد أن ذهب مني إلى الأبد - الآن فقط أدرك ذلك."
فهل فعلا تختبئ لحظات السعادة ،في تلك التفاصيل، البعيده عن الاحلام والامال ، ام ان الكاتبه غيبها حنين الذكريات ⸮
أظن أن نتاليا لم تكن غارقة في الحنين بقدر ما كانت تصف الحقيقة المرة التي نحاول الهروب منها السعادة لا تُعاش، بل تُكتشف متأخرة. نحن لا ندرك قيمة اللحظة إلا عندما تفلت، لأن وعينا في لحظة الألم أعمق بكثير منه في لحظة الفرح. في القرية، كانت منشغلة بالبرد والفقر والنجاة، فلم تر الجمال الذي كان يسكن التفاصيل صوت خطواتهم في الثلج، رائحة البرتقال، ضحكة طفلها. لكنها حين خسرت كل شيء، اكتشفت أن تلك التفاصيل الهامشية كانت الحياة نفسها. ما فعلته نتاليا ليس حنينًا، بل إدانة لوعينا الانتقائي؛ نحن نبحث عن السعادة في الكمال، بينما هي تتنكر في النقص. الإنسان، ببساطة، لا يعرف أنه كان سعيدًا إلا عندما يتعلم كيف يتألم. وهنا المفارقة ربما السعادة لا تُعاش أبدًا في الحاضر، بل تُحاكم دائمًا في ذاكرة الندم.
التعليقات