البرمجة Programming هي مجموعة من الخطوات العملية تساعد على الوصول إلى حل لأي مشكلة، ومصطلح البرمجة صار قرينا بعلوم الحاسوب، رغم أن نظم حل المشكلات تأخذ مصطلحات أخرى منها الخوارزمية (مصطلح حوسبي آخر، ولكنه أيضا مصطلح منطقي ورياضي أصيل). ومنها الإدارة أو القيادة في الاقتصاد والأعمال، ومنها الاستراتيجية في اللوجستيات والعلوم العسكرية والإدارية. وبالتالي، تلعب البرمجة الدور الأكثر محورية في تنفيذ متطلبات الحاسب أو مستخدمي الحاسب اليوم (وحتى الجوّال الذكي هو شكل من أشكال الحاسب)، وهي بالطبع عملية لأنها تقريب لا يوجد ما يمكنى أن يسمى عملي أو تطبيقي أكثر من فكرة (حل مشكلة)، والبرمجة لا يهمها الاكتفاء بـ حل المشكلة، بل حل المشكلة بأفضل الطرق الممكنة حاسوبيا. وهي علم عملي جدا، ويقع بين علوم الحوسبة وعلوم الاتصالات، بل وفي الكثير من حالاته واستعمالاته يحمل زوايا نظر في علوم التقنية والإلكترونيات.

كل ما سبق يؤكد أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن أخذ دور المبرمج المحترف (لا أقول الهاوي أو المبتدئ)، وفي أحسن حالاته في المستقبل القريب قد يحل محل المبرمج المحترف (إذا وفرّ كفاءة أعلى واستهلاك أقل للموارد)، ولكن من الصعب جدا أن يحل محل مبرمج أو مهندس بدرجة أستاذ. والدليل على ذلك بسيط جدا ويجيب عن هذا السؤال وعن سؤال آخر نكتشفه بعد ضرب المثال: إذا قام مستخدم بمناقشة النظام الذكي في مسألة، قد يذهب المستخدم الذكي في نقاشاته وقوة حججه وتماسك منطقه إلى درجة تجعله يحاصر النظام / النموذج في زاوية فيضطر للاعتراف إما بقيده البرمجي وإما بقيده التقني، والفرق بين الاثنين أن الأولى هو قيد صممه مبرمج من البشر (حتى لو صممه باستخدام آلة)، وأن القيد الثاني هو قيد كامن في تكوين وبنية النظام نفسه. مع ذلك، هل يملك النموذج مع تقديمه هذا الاعتراف (والاعتراف متضمن بداهة لمشكلة داخله)، هل يملك أن يقدم أو يبني حلّا؟. أغلب التجارب المعقدة في الحقل البصري أو البرمجي تؤكد على خمسة ضرورات من أجل الخروج بمنتج أو مشروع متماسك وصالح للاستعمال: (المحاولة وإعادة المحاولة مع النموذج)، و(دعم النموذج بمجموعة من القوالب والتعليمات والأدوات الرقمية)، و(إلقاء اللوم على المستخدم لأنه هو من فشل في تحقيق الاستفادة المثالية من النموذج)، و(النموذج قد يحتاج للمزيد من الوقت، والمزيد من الموارد الرقمية)، و(وصول تام أو شبه تام إلى إلى أساسات البناء والبيئة المحيطة بها).

1-المحاولة وإعادة المحاولة: تعني أن النموذج يستفيد من المستخدم أكثر مما يفيده (بحكم منطق التدرب المستمر بغض النظر عن أي ادعاء زائف بأن بيانات المستخدمين لا تُستخدم في التدريب).

2-دعم النموذج بأدوات رقمية خارجية: تعني أن المبرمج يستخدم نفس منطق البرمجة في بناء المشروع عبر مجموعة من الـ Prompts و Skills بدلا من الأكواد والخوارزميات، والأسوأ، أنه يستنزف جهده العقلي ووقته في أداة يفترض أن تساعده وتسهل عليه، لكنه يجد نفسه مضطرا أن (يبرمجها على مساعدته في البرمجة!).

3-هذا يقودنا إلى إلقاء اللوم على المستخدم: وهو يأخذ شكلين، إما الشكل الأقبح، وهو إلقاء اللوم مباشرة على المستخدم لعدم تكيفه مع تقنية يُترض أن تؤدي دورها مثل أي تقنية اخرى استعملها الإنسان (تسهيل الأمر عليه، ومساعدته للوصول لهدفه). الشكل الثاني هو الترويج لمجموعة كبيرة جدا من الأدوات والبيئات والاستعدادات المساعدة تجعلنا نعيد النظر إلى مسار التاريخ: أول ما ظهرت نسخ الويندوز ظهرت عام 1985، ومع الوقت قدمت الكثير جدا من الأدوات تم الترويج لها على أنها سوف تغني المستخدم عن البرمجة، في عام 1998 ظهر محرك البحث جوجل، وكان قادرا على فهم المستخدم وتقديم كل ما يريده له عبر كتابة بضعة كلمات مفتاحية، ولفترة طويلة كان هناك دورات تعليمية للتدريب على الطرق المثلى لاستخدام المحرك. في عام 2003 ظهر الوورد بريس، وخلال العقد الماضي كان مهددا للكثير من المبرمجين، وبالفعل قدم حلولا مقنعة وفعّالة جدا تساعد المستخدم على بناء موقع إلكتروني بدون أي مساعدة خارجية. وفي 2013 مع قفزة تقنية الواقع الافتراضي، كانت مصحوبة بالكثير من الوعود التي سرعان ما تخلى عنها المطورين من أجل قفزة الذكاء الاصطناعي في مطلع العقد الثالث، واليوم، صار يتم الترويج للذكاء الاصطناعي على أنه سوف يزيل الحاجة للمبرمجين، المبرمج هو مهندس، مفكر يلتزم المنطق، حين نستغني عن المهندس، نحن حرفيا نستغني عن عقولنا.

4-حاجة النموذج للمزيد من الموارد الرقمية: المتمثلة في المزيد من الوقت، والطاقة، والمعالجة الحاسوبية الضخمة، والتهيأة الجيدة، والدعم الفني والبنية التحتية، ويتم ترجمة الطاقة / المعالجة في صورة توكنة تستنزف أموال المستخدمين دون أن تعطيهم نتيجة حقيقية مؤخرا. ففي البدايات كانت تعادل كفاءة مبرمج متوسط، أما اليوم، يصير هناك مطالبات بالمزيد من أموال المستخدم، مقابل ماذا؟ (وعود بتجربة نماذج لم يتم التأكيد بعد على جدواها أو طبيعة العوائد المنتظرة). مجرد تجربة، ثم يأتي إصدار جديد يسحب الميزات التي كانت متاحة في الإصدار الحالي فقط من أجل تحميل المستخدم المزيد من التكاليف.

5-مشكلة صلاحيات الوصول: وأخيرا، يشي الذكاء الاصطناعي أننا سوف نغرق في نوع جديد من جحيم الاعتمادية، مثلا لو أردنا بناء بوت دردشة على واتس، قامت واتس بسحب الصلاحيات من النماذج الأخرى، وأبقت على نموذجها الضعيف بالمقارنة فقط لأنها تملك البيئة، الحديث عن مانوس وكلود لا يوجد شهادات كثيرة تؤكد إمكاناتهما في إمساك الويب لبناء مشروعك من الألف إلى الياء، ناهيك عن ضرورة اختراق الخصوصية (دون أي عاقبة أو مسؤولية قانونية حقيقية) حتى يتمكن من العمل.

الذكاء الاصطناعي حتى الآن لم ينجح سوى في بناء عدة أكواد متماسكة إلى حد كبير، ويبنيها بسرعة فائقة، والأكواد ليست إلا الوجه النظري للبرمجة.