عندما ننظر إلى الناجحين في مختلف المجالات، سواء في الأعمال، الرياضة، أو حتى الفن، فإننا غالبًا ما نقع في فخ الاعتقاد بأنهم يمتلكون صفات أو قدرات خاصة جعلتهم يصلون إلى القمة. نميل إلى تحليل قراراتهم وسلوكياتهم كأنها الوصفة السحرية للنجاح، لكننا نغفل عن أمر جوهري: هناك كثيرون قاموا بنفس الأفعال ولم يحققوا النجاح. هذه الظاهرة تُعرف باسم الانحياز للنجاة، وهي ميلنا للنظر إلى الناجين فقط وتجاهل أولئك الذين لم يتمكنوا من الاستمرار، مما يؤدي إلى استنتاجات مشوهة عن أسباب النجاح والفشل.

النجاح ليس دائمًا انعكاسًا للصورة الكاملة

عند دراسة قصص النجاح، نحن نميل إلى التركيز على الذين نجحوا بالفعل دون أن ننظر إلى العدد الكبير ممن ساروا في نفس الطريق ولم يحققوا نفس النتائج. على سبيل المثال، العديد من رواد الأعمال يقرأون عن قصص نجاح الشركات الكبرى مثل أمازون أو آبل، ويعتقدون أن تقليد استراتيجياتها سيضمن لهم نفس النجاح. لكنهم يغفلون عن آلاف الشركات التي تبنت استراتيجيات مشابهة ولم تنجح. السبب ليس بالضرورة أنهم كانوا أقل كفاءة أو اجتهادًا، بل ربما كانت هناك عوامل أخرى، مثل التوقيت، الموارد، أو حتى الحظ، التي لعبت دورًا حاسمًا.

دور الحظ في النجاح

نحب أن نؤمن بأن النجاح هو نتيجة العمل الجاد والذكاء فقط، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. الحظ قد يكون عاملاً حاسمًا، رغم أن الناجحين نادرًا ما يعترفون بذلك. هناك العديد من الأمثلة لأشخاص حصلوا على فرص غير متوقعة أو تصادفوا مع الأشخاص المناسبين في اللحظة المناسبة. لكن لأننا لا نرى أولئك الذين امتلكوا نفس المهارات ولم يحالفهم الحظ، نظل مقتنعين بأن النجاح يُبنى فقط على الجهد الشخصي، وهو ما يجعلنا نقلل من تأثير العوامل العشوائية التي قد تساهم في تحديد من ينجح ومن لا.

العينة المختارة وتأثيرها على إدراكنا

عندما ننظر إلى الشركات الناجحة، الأبنية القديمة التي صمدت لعقود، أو حتى الشخصيات البارزة في أي مجال، فإننا غالبًا ما ننسى أن هذه هي فقط "العينة الناجية". نحن لا نرى الشركات التي فشلت، المباني التي انهارت، أو الأشخاص الذين لم يتمكنوا من البروز رغم امتلاكهم لمواهب مماثلة. هذه الرؤية الجزئية تجعلنا نقع في خطأ التعميم، فنفترض أن كل شركة تتبع نهجًا معينًا ستنجح، أو أن كل شخص يمتلك مهارة معينة سيصل إلى القمة، متجاهلين أن هناك كثيرين ممن فعلوا الشيء نفسه ولم يتمكنوا من النجاة.

الانحياز في اتخاذ القرارات

الانحياز للنجاة لا يؤثر فقط على نظرتنا للنجاح، بل يمتد ليؤثر على قراراتنا في مختلف المجالات. في الاقتصاد، قد نعتقد أن الاستثمار في سوق معين مضمون لأنه شهد نجاحات سابقة، دون أن نأخذ في الاعتبار الشركات التي خسرت ولم تستمر. في مجال الحرب، قد نميل إلى تحليل الاستراتيجيات الناجحة فقط، دون دراسة الإخفاقات التي أدت إلى الهزائم. حتى في الحياة اليومية، قد نستخلص دروسًا من قصص الناجحين دون التفكير في أولئك الذين اتبعوا نفس الخطوات لكنهم لم يصلوا لنفس النتيجة.

هل العالم عادل كما يبدو؟

أحد أخطر آثار الانحياز للنجاة هو أنه يجعل الناجحين يعتقدون أن العالم عادل، لأنهم نجحوا من خلال العمل الجاد، وبالتالي يفترضون أن كل شخص آخر يمتلك نفس الفرص. لكن الواقع مختلف، فليس كل من اجتهد حصل على النجاح، وليس كل من امتلك الموهبة وجد الفرصة المناسبة. هذا الفهم المحدود للواقع قد يؤدي إلى نظرة قاسية تجاه الفاشلين، حيث يتم لومهم على فشلهم دون الاعتراف بالعوامل الأخرى التي ربما كانت خارج سيطرتهم.

البحث عن الصورة الكاملة

الانحياز للنجاة يجعلنا نرى فقط الجانب الإيجابي من الأمور، متجاهلين كل من لم ينجُ، مما يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة حول أسباب النجاح أو الاستمرارية. إذا أردنا فهم الواقع بشكل أعمق، علينا أن نبحث عن الصورة الكاملة، ونسأل: كم شخصًا حاول نفس المسار ولم ينجح؟ ما العوامل التي لم نأخذها في الاعتبار؟ فقط عندما نبدأ في طرح هذه الأسئلة، يمكننا أن نتجنب الوقوع في فخ الاعتقاد بأن النجاح هو نتيجة حتمية لمجموعة من القواعد البسيطة، وأن نكون أكثر وعياً بالدور الذي تلعبه العوامل الخفية في تشكيل مسارات النجاح والفشل.