هل هناك كذبة بيضاء؟ وكيف يتقي المؤمن الكذب عند الضرورة؟
الكذب من كبائر الذنوب، وقد نهى الله ورسوله عنه تحريمًا قاطعًا، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28). كما قال النبي ﷺ: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" (متفق عليه).
لكن هل هناك كذب لا يُحاسب عليه؟ وماذا يفعل المؤمن إذا وجد نفسه مضطرًا إليه؟
حقيقة "الكذبة البيضاء"
انتشرت فكرة أن هناك "كذبة بيضاء" لا حرج فيها، لكن الصواب أن الكذب في أصله محرم، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، خطيرًا أو هينًا. إلا أن الشريعة رخصت في حالات ضيقة جدًا، وليس على الإطلاق. الكذب المباح يكون في ظروف محددة مثل:
- الإصلاح بين الناس: إذا كان الكذب سيؤدي إلى إزالة قطيعة أو إصلاح علاقة بين متخاصمين، فيجوز التلميح أو إخفاء الحقيقة بطريقة لا تضر.
- الحرب والخداع العسكري: كما قال النبي ﷺ: "الحرب خدعة" (البخاري ومسلم).
- حديث الزوج مع زوجته: في بعض المواضع التي يكون فيها الكلام الجميل لتقوية العلاقة الزوجية وليس للخداع أو الغش.
إذن، ما يطلق عليه "الكذبة البيضاء" يجب أن يكون ضمن هذه الضوابط، وليس كذبًا في المعاملات أو لإخفاء الأخطاء أو خداع الآخرين.
كيف يتقي المؤمن الكذب عند الضرورة؟
عندما يجد المؤمن نفسه في موقف يظن فيه أن الكذب هو الحل الوحيد، عليه أن يلجأ إلى أحد هذه الوسائل بدلًا من الوقوع في الإثم:
- التورية والتعريض: وهو استخدام كلمات تحتمل أكثر من معنى دون تصريح بالكذب. فعن النبي ﷺ أنه قال: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (البيهقي). فبدلًا من أن يقول شيئًا غير صحيح، يمكنه أن يستخدم تعبيرًا يوحي بما يريد دون كذب صريح.
- الصمت أو تجنب الإجابة المباشرة: في بعض المواقف، يكون الصمت أو تغيير الموضوع حلًّا لتجنب الكذب دون الحاجة للتصريح بما لا يجوز.
- اللجوء إلى الدعاء والاستعانة بالله: فمن يتوكل على الله يجعل له مخرجًا، ومن يحرص على الصدق يرزقه الله بركة في كلامه وسمعته.
الخاتمة
الكذب في الإسلام ليس أمرًا هيّنًا، ولو كان مجرد "كذبة بيضاء". فالمؤمن الحق يسعى إلى الصدق في كل أحواله، وإن اضطر لموقف صعب، فهناك وسائل شرعية تجنبه الكذب دون أن يقع في الإثم. فالصدق بركة ونجاة، والكذب وإن بدا مخرجًا سهلاً، فهو باب إلى الفجور والضياع.