المشكلة ليست في الكرة... بل في غياب القدوة
بما أننا في هذه الأيام نعيش مباريات كأس العالم، رأيت أن آراء المسلمين بين شدٍّ وجذب؛ بين مشجعٍ غارقٍ في ميوله، متعصبٍ لمنتخبه ولاعبه المفضَّل، وبين رافضٍ لهذه الفعاليات برمتها، متهمًا إياها بأنها السبب في ضياع شباب المسلمين.
تذكرت مقولة قرأتها في كتاب لمفكر أمريكي، على ما أعتقد، يقول فيها: "إن المسلمين ينظرون إلى كل الأفكار القادمة من أوروبا أو أمريكا على أنها تستهدفهم"، وأضاف: "يفكّر المسلمون أن كل شيء ضدهم، وأنهم مكروهون من كل العالم". عندما فكرتُ مليًا في مقولته، وجدتُ فيها شيئًا من الحقيقة، وليس الحقيقة كلها... لماذا؟ لعدة أسباب.
من أهم هذه الأسباب:
1- أنه، مع الأسف، نحن المسلمين تشبعنا بهذه الأفكار منذ نعومة أظفارنا: "الغرب يستهدفكم، أمريكا تريد أن تدمر العالم..."، وكلام كثير كان يُقدَّم في الخطاب الديني، يكتفي بوصف الخطر والتحذير منه، دون تقديم حلول عملية كافية للشباب، فعشنا على هذا.
بالتأكيد أنا أتفق مع هذا، بدليل القرآن الكريم والسنة النبوية، اللذين يؤكدان لنا أن اليهود والنصارى يكيدون لنا العداء. لكنهم ليسوا متساوين في شدة الكره، كما تحدثت الآية بصريح العبارة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82].
فهنا يؤكد الله عز وجل أنهم يعادوننا، فذكر أن اليهود ومعهم المشركون هم أكثر الناس عداوةً لنا، وأن النصارى تقل حدة عداوتهم لما في قلوبهم من الرقة والرحمة، وتأثرهم عند سماعهم القرآن الكريم.
لكن ما أعترض عليه هو: لماذا يعلموننا هذا فقط؟ ولم يقولوا لنا ما الطريقة المناسبة لمواجهتهم؟ كان من المفترض عليهم، بدل التبكبك على حالنا، وأننا مستهدفون دائمًا، وبدل زرع كرههم في عقولنا، أن يقولوا لنا كيف نواجههم، وكيف نربي أنفسنا، ونعد عدتنا لملاقاتهم، وكان عليهم أن يكونوا هم القدوات الحقيقيين لنا، لا أن ينجروا وراء خوفهم من الحكام، فلا يقولوا إلا ما يُملى عليهم. فكان لذلك الأثر العظيم في ضياع شبابنا، فذهبوا واتخذوا قدواتٍ آخرين: لاعبي كرة القدم، ومشاهير السوشيال ميديا، والفنانين، والمغنين، والممثلين، وغيرهم. ثم جاءوا بعد ذلك يتبكبكون على حال الشباب، وهم ضائعون في المدرجات والمراقص، ومنغمسون في المعاصي والشهوات.
وكان الأولى أن يصاحب خطابَ التحذير خطابٌ آخر يربي الشباب على العلم والعمل وبناء الذات، وأن يقدم لهم نماذج حية للنجاح والانضباط، حتى لا يبحثوا عن القدوة في أماكن أخرى.
2- هذا الخطاب فيه تعميم على الجميع: "الغرب... أمريكا". لماذا لم يقولوا: أصحاب القرار، أكابر القوم؟ لأنه فعلًا رأينا في الغرب وأمريكا أناسًا كثرًا أشجع منا في الشجب والتنديد والمواقف، والمظاهرات والمقاطعات أثناء أحداث غزة. وقد دخل كثيرٌ منهم الإسلام وهم في قلب أوروبا وأمريكا، بينما لم تخرج مسيرة واحدة في عاصمة منبع الرسالة والدعوة السلفية، ومسقط رؤوس هؤلاء العلماء الذين أشبعونا عبارات: "أمريكا تكرهكم، الغرب لا يحبكم...".
نتفق كلنا على أن هذا الخطاب الذي تربينا عليه صحيح من ناحية عداء الغرب وأمريكا للإسلام. لكن أختلف، أولًا، على التعميم المطلق عليهم جميعًا، ثم على طريقة تعاملنا معه. وهذا هو الذي أوصلنا إلى أسفل سافلين، أمةً مستضعفةً متكالبةً عليها بقية الأمم.
قبل أن أرجع لكلام هذا المفكر "الكافر"، لننعته بهذا، سأتكلم عن المباريات.
أولًا: المباريات من المباح في الدين، لكن بشروط:
1- ألا تلهيني عن الصلاة والعبادة.
2- ألا تكون هي كل شغفي وتفكيري، لا، بل لا بد أن تكون أمتي وقضايا أمتي في المقدمة، أما المباراة فهي للترفيه عن النفس وقت فراغي، لا أكثر.
3- ألا أتعصب لأي نادٍ أو لاعب. أشجع فقط من باب الإعجاب بهذا النادي أو اللاعب، وأعتبره مجرد متعة وترفيه لنفسي حال الفراغ.
تبقَّت نقطةٌ مهمةٌ في هذا الموضوع، وهي الهجوم الحاصل على أساطير كرة القدم. وأنا تعمدت قول كلمة "أساطير"؛ لأنهم فعلًا أساطير في مجالهم. لأنهم بذلوا وتعبوا، وتدربوا، والتزموا بنظام غذائي معين، وبنوا أجسامهم بعناية، وركضوا كثيرًا في الملعب، وحاولوا تسجيل أهداف جميلة وممتعة، ثم احتفلوا بإنجازاتهم، فأمتعوا الناس.
لماذا فعلوا كل هذا؟
هل فعلوه من أجل إلهاء المسلمين؟ طبعًا قد يكون فيه شيء من الحقيقة. لكن لو نظرنا من زاوية أخرى، سنرى أنهم فعلوا كل هذا من أجل إسعاد أنفسهم أولًا، ثم جعلوا منها مهنةً لهم ووسيلةً لكسب المال.
ثانيًا: ميسي ورونالدو على وجه الخصوص.
عندما ننظر في حياتهم الشخصية أو معتقداتهم الدينية، سنجد أنها لا تختلف عن أي مواطن داخل هذه الدول، نفس المعتقدات والتقاليد. وديننا يعلمنا كيف ننشر الدين للناس كافة، وكيف نتعامل مع غير المسلمين؛ لا إكراه في الدين، لا ولاء لهم، لا نتخذ منهم قدوات في معتقداتهم، وغيرها من الأمور. لكن أن نتذمر لأنهم غير مسلمين، أو نواليهم، أو نقتدي بما يعتقدونه، فهذا هو عين الحرام.
لكن نقطةً مهمةً يجب أن نلتفت إليها في موضوع القدوة أو السير على نهجهم، إذا أردنا أن نقتدي بهم في كيفية التزامهم بالوقت، وحفاظهم على لياقتهم البدنية وصحة أجسامهم، فأين الحرام في ذلك إذا أصبح الشاب منضبطًا في وقته، قويًا في بدنه؟ فإنه بفعله هذا، وإن كان عقله يقول: "سأفعل مثل ما يفعله كريستيانو"، فإنه، بدرجة أولى، يلتزم بتعاليم دينه التي حثت على الحرص على الوقت، والصحة، والبدن.
ومن ناحية أخرى، ماذا فعل كريستيانو وميسي بشبابنا؟ صحيح أنهم جعلوا منهم معجبين لهم ومشجعين، لكن هل طلبوا منهم أن يصبحوا متعصبين لهم بهذا الشكل الهستيري، بأن يصبح الواحد منهم يسب ويشتم أخاه من أجلهم؟
ما ذنب هؤلاء اللاعبين في تخلف ابنك الشاب إذا كنتَ أو كنتِ لم تُحسنا تربيته من الصغر؟ ولم تؤسساه على مرجعيات واضحة، وقيم ومبادئ إسلامية سليمة وصحيحة؟
وما ذنبهم إذا كانت الفئة الغالبة من علمائنا ومفكرينا قد تصدرت لهؤلاء الشباب بالتشدد في الدين والغلو فيه، بأن تحرم عليهم كل ما يفعله هؤلاء الكفار في دول أمريكا وأوروبا؟!
إننا دائمًا، كما قال المفكر الأمريكي، ننظر إلى كل ما يقدمه لنا الغرب وأمريكا بعيون الريبة والشك، ثم نأتي بنخبنا يتحدثون عن خطورتهم، بينما لو نظرنا بعين العقل، فأخذنا منهم ما يناسب تعاليمنا وقيمنا ومعتقداتنا، فعملنا عليها وطبقناها على أرض الواقع، لكان ذلك أسمى لنا.
لو اشتغلنا على أنفسنا، فطورنا مجتمعاتنا بمختلف المجالات، مع أخذ الحيطة والحذر، لكنا غير ما نحن عليه الآن، ولأصبحنا على قمم التقدم والوعي والندية لهذا العالم، الذي دائمًا ما نسميه عالمًا كافرًا، ودولًا تكيد لنا العداء، فصدقنا هذا القول، وقعدنا دون حراك.
وماذا لو اقترب علماؤنا ومفكرونا ونخبنا من الشباب، وبينوا لهم الحلال والحرام بدون تشدد، وبدون انفتاح؟ لو فعلوا ذلك، لكانوا هم القدوات بدل رونالدو وميسي، ولأصبحوا هم المخترعين، والقادة، والعظماء في بلدانهم، ولأصبحوا هم المصدِّرين للثروات إلى العالم، والاختراعات، والتقنية، والعلم، بدل أن يكونوا فقط متلقين، وقاعدين يضيعون أوقاتهم في تفاهة السوشيال ميديا، ومتعة كرة القدم...
#مريم_الخميسي
التعليقات