لطالما سارت رحلاتنا الأولى تحت أنظار كثيرة: بين عيون الأهل ووصايا المعلمين، نمضي ونحن نشعر أن ثمة من يراقب خطواتنا، يصحّح أخطاءنا، ويمدّ لنا يد العون إن تعثرنا.

لكن، يأتي يوم تظنه بداية خلل، وربما لحظة ضياع… غير أنه ليس كذلك.

إنه ببساطة مرور الزمن، وإعلان غير معلن بأن مرحلة جديدة قد بدأت، حيث لم تعد الخطى تحت إشراف الآخرين، بل تحت إشراف الذات وحدها.

لم يعد هناك من يهمس في أذنك: "افعل هذا" أو "تجنب ذاك".

الطريق الآن لك، وأنت فيه القائد والملاح، والحَكم والحارس.

ربما قطعت جزءًا من هذا الطريق، ربعَه أو نصفه، بإرشاد من أحبوك، ورافقوك، وسهروا على راحتك. لكنهم لن يكونوا معك إلى الأبد.

وسواء طال الزمن أو قصر، سيأتي يوم تختفي فيه كل إشرافات من كان يحبك يوما ، ويحلّ مكانها إشراف من نوع آخر: إشراف الطريق ذاته.

ذاك الطريق لا يرحم، لا ينصح، ولا يصبر… بل يعاقب.

عقابًا لا يشبه ما اعتدته من لوم الأهل، أو عتاب المعلم.

بل عقابًا قد يهوي بك في لحظة… يهدم ما بنيت في سنوات، ويبدد ما حلمت به من أمان.

ذلك هو إشراف الدنيا يا صديقي.

فابنِ نفسك قبل أن يختفي ظل من أحبّوك،

ومهّد الطريق بخطى مستقيمة، وضمير يقظ، وقلب معلّق بالله.

اجعل من الله رفيق دربك حين تغيب الرفقة، ودليلك حين يضيع الدليل.

لعلّه ينير لك العتمة، ويسهّل عليك عبور الدنيا،

ويجعل من وحشة الطريق... سكينة،

ومن الرحلة... معنى.