في ظلّ العولمة، يبدو أن دولة واحدة هي التي تتحكم في مسار الأمم، عبر فرض النظام الرأسمالي الذي أسّسه مفكرون مثل آدم سميث وناقضه كارل ماركس.
لكن مهما اختلفت النظريات، يبقى الهدف الأعمق هو تحقيق الازدهار الاقتصادي الأوروبي وتوسيع نفوذه العالمي، خاصة على حساب إفريقيا والعالم العربي، لا من خلال تبادلٍ متكافئ بين الاستيراد والتصدير، بل عبر التحكم في الأسواق والتصدير فقط.
هذا النظام، رغم ما يحققه من نموّ اقتصادي في الظاهر، أدى في العمق إلى تفاقم التفاوت الاجتماعي والطبقي، وتراكم الثروة في يد قلة من الأفراد، وظهور الاحتكارات التي أضرّت بالمستهلكين والعمال على حد سواء.
كما نتجت عنه أزمات اقتصادية متكررة وتقلبات حادّة، ناهيك عن تغليب الربح المادي على حساب الرفاه الاجتماعي والبيئي، وتزايد معدلات البطالة بفعل المنافسة الشرسة وسعي الشركات الدائم إلى خفض التكاليف.
لقد لخّص الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ملامح هذا التوجّه حين قال:
> "ما هو على المحك أكثر من بلد صغير؛ إنها فكرة كبيرة: نظام عالمي جديد، حيث تجتمع الدول المتنوعة معًا في قضية مشتركة لتحقيق التطلعات العالمية للبشرية."
لكن من هي "الدول المتنوعة" التي تحدّث عنها؟
هم الحلفاء بالدرجة الأولى، بينما تُوجَّه الخطابات لبقية الدول لحثّها على الانضمام إلى هذا النظام، في حين أن الهدف الحقيقي لم يكن يومًا تحقيق التقدم الاقتصادي العالمي للجميع، بل ترسيخ التفوق الغربي على حساب بقية الشعوب.
وهكذا، تم تغييب الفكر العربي والإسلامي عن مسار التقدم الدولي، سواء في الاقتصاد أو في القوة العسكرية أو في التأثير السياسي.
لم يكن الأمر مجرد تجاهل، بل سياسة ممنهجة لإبقاء العالم العربي والإفريقي تابعًا وضعيفًا، حتى وإن نال استقلاله شكليًا.
فالكثير من الدول التي استعمرها الغرب — وعددها أكثر من 54 دولة عربية وإفريقية — ما تزال خاضعة لاتفاقيات اقتصادية وعسكرية تجعل استقلالها حبرًا على ورق.
يكفي أن ننظر إلى مساحة العالم الغربي مقارنة بالعالم العربي، وإلى حجم النفوذ والموارد، لندرك حجم الفجوة التي صُنعت عن قصد.
وكما قال ابن خلدون:
> "إن التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، لكن في باطنه نظر وتحقيق."
وهذا هو جوهر القضية:
أن ما نراه من تقدم في ظاهر العولمة ليس سوى إعادة إنتاج للهيمنة القديمة في شكل جديد.