حين تتسع قيمة اللغة ويضيق تقدير معلمها

تُعدّ اللغة العربية من اللغات العريقة التي تحمل إرثًا حضاريًّا وثقافيًّا غنيًّا، وتتميز بثراء مفرداتها، ودقة تراكيبها، واتساع أساليبها التعبيرية. غير أن عظمة اللغة لا تنعكس دائمًا بالصورة نفسها على واقع تعليمها، ولا سيما في مستوى التقدير المهني والمادي الذي يحظى به معلمها.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن للغة أن تحتل مكانة راسخة في تاريخ الحضارة والثقافة، وأن تتطلب من معلمها علمًا واسعًا وجهدًا متواصلًا، ثم لا يُمنح هذا الجهد دائمًا ما يتناسب مع حجمه وأثره؟

إن تعليم اللغة العربية ليس مجرد تلقين لقواعد النحو والصرف، أو تدريب على القراءة والكتابة؛ بل هو بناء للوعي اللغوي، وتنمية للقدرة على التفكير والتعبير، وصيانة للهوية الثقافية، ونقل لتراث يمتد عبر قرون. والمعلم الذي يتولى هذه المهمة لا يشرح كلمات وقواعد فحسب، بل يساعد المتعلم على فهم المعنى، وإدراك جمال الأسلوب، واستخدام اللغة استخدامًا سليمًا وواعيًا.

ومع ذلك، قد تتباين مستويات التقدير المادي داخل البيئة التعليمية الواحدة، دون أن يكون هذا التباين انعكاسًا واضحًا لقيمة الجهد المبذول أو حجم المسؤولية المهنية. وهنا لا تكمن القضية في المفاضلة بين لغة وأخرى، ولا في الانتقاص من جهود أي معلم، بل في ضرورة إعادة النظر في المعايير التي يُقدَّر بها العمل التعليمي، بحيث تقوم على الكفاءة، والتخصص، والإعداد، والخبرة، والأثر الحقيقي في تعلم الطلاب.

فليس من العدل أن يُقاس جهد المعلم بما يظهر في دقائق الحصة وحدها، بينما تُغفل ساعات التحضير والتصحيح وتصميم الأنشطة ومتابعة الطلاب وتطوير أساليب التدريس. كما أن رسالته النبيلة لا ينبغي أن تكون مبررًا للتقليل من حقه في التقدير المادي العادل؛ فالإخلاص في العمل لا يتعارض مع الطموح إلى حياة مهنية كريمة.

إن النهوض باللغة العربية يبدأ من الاعتزاز بها، لكنه لا يكتمل إلا بالاستثمار في تعليمها، وتطوير مناهجها، وتأهيل معلميها، وتوفير بيئة مهنية تُقدّر العلم والجهد والمسؤولية. فالمكانة التي نمنحها للمعلم تعكس، إلى حد بعيد، نظرتنا إلى التعليم نفسه، وإيماننا بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن أي استثمار آخر.

إن قيمة اللغة لا تُقاس بما تحمله من تاريخ فحسب، بل بما نصنعه بها في حاضرنا ومستقبلنا؛ وقيمة المعلم لا ينبغي أن تُختزل في أجره، وإن كان الأجر العادل جزءًا أساسيًّا من احترام مهنته. فحين نحتفي باللغة ونغفل عن الإنسان الذي يعلّمها، تظل كلمات التقدير ناقصة، مهما بلغت عذوبتها.

ولاء فضل


كلمة أخيرة: دعوة إلى إنصاف معلم اللغة العربية

ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى اللغة العربية ومعلميها؛ فالعظمة الحقيقية لا تكمن في الاحتفاء بالماضي وحده، وإنما في ترجمة هذا الاعتزاز إلى ممارسات عادلة في الحاضر. وليس من المنطقي أن نفخر بتاريخ اللغة العربية وثرائها، ونتحدث عن مكانتها الحضارية، ثم نغفل عن الجهد الذي يبذله من يحملون مسؤولية تعليمها للأجيال.

إن معلم اللغة العربية لا ينقل المعرفة فحسب، بل يسهم في بناء الوعي، وصقل الفكر، وتنمية القدرة على التعبير، وربط الإنسان بجذوره الثقافية والحضارية. وهذه رسالة تستحق التقدير، ومسؤولية تستلزم علمًا وخبرة وصبرًا وإعدادًا مستمرًّا.

ومن هنا، فإننا لا نطرح قضية للمقارنة أو المفاضلة، ولا ننتقص من جهد أي معلم، وإنما نرفع دعوة صريحة إلى إنصاف معلم اللغة العربية، ومنحه التقدير المهني والمادي الذي يتناسب مع مؤهلاته وكفاءته وحجم المسؤولية التي يحملها. دعوة إلى مراجعة معايير تقدير العمل التعليمي، وإلى أن يكون الأجر انعكاسًا عادلًا للخبرة والجهد وجودة الأداء، لا نتيجةً لنظرة تقليدية تقلل من قيمة تخصصه أو من أهمية ما يقدمه.

إن إنصاف المعلم لا يتحقق بكلمات الشكر وحدها، ولا بالاحتفاء به في المناسبات، بل بقرارات عملية تحفظ كرامته المهنية، وتضمن له أجرًا عادلًا، وتوفر له فرص التطور، وتضعه في المكانة التي يستحقها داخل المؤسسة التعليمية والمجتمع. فالمعلم الذي نطالبه ببناء الأجيال يستحق بدوره بيئة عمل تحفظ حقوقه، وتقدّر علمه، وتدعم طموحه.

فلنمنح هذه الدعوة ما تستحقه من اهتمام، ولنجعل تقدير معلم اللغة العربية موقفًا عمليًّا لا مجرد عبارة جميلة؛ لأن احترامه ليس منّةً أو مجاملة، بل حقٌّ مهني، وإنصافه استثمار في التعليم وفي مستقبل الأجيال.

إن اللغة التي نفخر بعراقتها تستحق أن ننصف من يعلّمها، والمعلم الذي يحمل أمانة الكلمة يستحق أن تُصان كرامته، وأن يُقدَّر علمه، وأن ينال أجرًا عادلًا. فلننتقل من الاعتزاز باللغة إلى الإنصاف الحقيقي لمعلمها؛ فبناء مكانة العربية يبدأ أيضًا من تقدير الإنسان الذي يحمل رسالتها.