كان موعداً للقاءٍ ينتظرُ حدهُ الأخير بعد قطيعةٍ دامت أشهراً، لكنها في نظري خَلَتْ دهراً كاملًا.
كنتُ أترقبُ تلك اللحظة بمزيجٍ طفوليٍّ عجيب من الشغفِ والخوف والارتباك.
أنتظرُ بلهفةٍ متشوقة رؤية ذلك الشخص الذي كانت طينتهُ وحدها تسعدني، وحديثه يضفي على المكان بهجة ومرحاً يُنسيانني تعب الدنيا وقسوتها.
وفي الوقت نفسه، كان الخوف يهمس في صدري من استحضار ما جرى مؤخراً بين العائلتين؛ خلافاتُ الميراث التي خلفت قطيعةً لم يكن لنا فيها ذنب. كنتُ مشدودةً بسؤالٍ يربكُ الهدوء: هل سيكون اللقاء كسابقيه؟ هل سنضحك كطفلين كبيرين ننسى معهما سباق الوقت ونطردُ عن كاهلنا تعب الساعات الطوال التي نعملها من أجل العيش؟ أم إن الجفاء ترك تعديلاته على القلوب؟
وبينما كنتُ أغرق في أفكاري، قُرِعَ جرس الباب.
حضرت عائلة خالي ومعه ابنه الشاب؛ ذلك الذي كان يستطيعُ دائماً نقل روحي إلى عالمٍ بهيج، فأعود في حضوره طفلةً مدللة تحسُّ أنها أميرة الزمان والمكان. طالما أحببتُ الهروب مع شطحات أفكاره من ضيق أفقي إلى براح خياله.
صعد خالي الدرج وتنحنح بصوته معلناً اقترابه، وقفت أمي عند الباب تستقبله، واصطف إخوتي الصغار للحصول على الحلويات التي اعتاد إحضارها. ورائهما أطلت زوجة خالي الطيبة، تلك التي سعت بكل حبٍّ لتعود المياه إلى مجاريها وتنقذ علاقتها بأمي.
وأخيراً.. أطلّ هو.
رغم أنه تخطى مرحلة الشباب بحكم السنين، إلا أن شخصيته كانت توحي دائماً بحيوية متجددة. دخل البيت كعادته يلقي التحية بابتسامة عريضة وتلميحات ضاحكة..
لكنّ شيئاً ما في الهواء هذه المرة كان مختلفاً وجامداً!
لماذا أرى ملامح وجهه قاسية؟ لم تعد نكاته مضحكة بالنسبة لي، ونظراته تحمل حدة لم أعهدها من قبل. روحه الخفيفة غدت ثقيلة، وإطراءاته لا طعم لها ولا معنى.. هناك غلظةٌ خفية يحاول تمويهها بخفة ظلٍّ انقلبت إلى ثقلٍ لا يُطاق.
انسحبتُ بهدوء.. واكتفيتُ بالجلوس بعيداً دون مشاركة، أراقبُ المشهد من زاوية الغرفة الكبيرة التي اتسعت للعائلتين. مرت السهرة طويلة، كدتُ أختنق فيها من الملل ومن الأحاديث الأسرية الغنية بالعتاب المبطن واللوم المغلف باللباقة.
كنت أسترق النظر إلى خطوط وجهه التي بان عليها السن، ولون بشرته الذي تغير، واللمعة التي انطفأت في عينيه. لم يعد وسيماً، ولا حديثه مشوقاً، ولا حضوره لطيفاً.
سألتُ نفسي بذهول: هل ما أشعر به تجاهه حقيقي؟ ما الذي حدث؟
كيف لشخصٍ كنتُ أرقصُ فرحاً لمجيئه، وكانت كلماته ونظراته تمنحني شعوراً بأني ملهمة واستثنائية، أن يتحول هكذا؟ من هذا الغريب الذي يجلس أمامي؟
لم تمضِ سوى ستة أشهر على الخلافات العائلية، وتكررت الزيارات بعدها، وفي كل مرة كنتُ أبحث في شخصيته عن تلك النسخة القديمة ولا أجدها. استمر البحث حتى تعبتُ واستسلمت للحقيقة الوحيدة التي انجلت أمام عيني:
لم يكن ذلك الشخص موجوداً بالأصل إلا في خيالي!
أنا من وضعته في منزلة الصديق المقرب، وأنا من رسمت له تلك الهالة بعد عودتي من السفر. كان يرتدي قناعاً اعتَدْتُ عليه.. فهل سقط منه اليوم دون أن يشعر؟ أم أنه نزعه معلناً بداية جديدة؟
أم أنني.. أنا من ألبسته ذلك القناع الجميل، وأنا من قررتُ أخيراً أن أخلعه عنه؟
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش