الجميلة المشوهة
"بداخلي شيء تحطم وتهشم؛ لذا عليك الحذر وعليّ الابتعاد".
كانت تلك العبارة رسالتها التي تركتها لطبيبها قبل أن تغادر المستشفى.
حين عاد لم يجدها بغرفتها، بحث عنها في كل مكان، حتى وجد تلك الرسالة التي وقعتها "الجميلة المشوهة" ، كان هذا هو الاسم الذي أطلقته على نفسها حين رأها للمرة الأولى بمستشفى الأمراض النفسية والعصبية، فهو طبيبها المعالج ، دخلت المستشفى إثر تعرضها لحادث أليم، تشوهه في خلايا القلب، ليس هذا مصطلح علمي بل تعبير أطلقته هي كتشخيص لحالتها، كانت شخصية رائعة شكلًا وموضوعًا، لكنها وقعت ضحية الحب الأعمى.
- كثيرًا ما نردد تلك المقولة "الحب الأعمى" لكن الأمر لا علاقة له بالبصر بقدر ما له علاقة بالبصير ، أعلم جيدًا إنه كان سيئًا منذ البداية، لكني كنت أظن أن بداخله الشئ الجيد الذي يستحق المحاولة، لكن ما حدث العكس تمامًا فقد صرت مشوهه بدل من أن أجعله سويًّا، كان هو الأقوى أو كنت أنا الأكثر هشاشة ، أتعلم ؟ أنا زجاج سقط وتهشم، لذا عليك الحذر.
- من أي شيء تحذريني ؟
- من الاقتراب ، الزجاج حين يتهشم يصبح جارحًا، وهذا ما أنا عليه الآن.
- لا عليكِ ، إنه عملي.
هكذا كانت لغتها وحوارها معه في أولى الجلسات العلاجية، خرج يسأل عنها في إدارة المشفى لتخبره المسؤلة أنها خرجت، يعلم جيدًا أن بإمكانها الخروج دون انتظار رأيه، فحالتها مستقرة ولا تُشكل خطورة، سأل عن عنوانها أو رقم هاتفها وحصل عليهما.
دخل غرفته وبين يديه خطابها الموجز وورقة تحوي عنوانها ورقم هاتفها، كان عقله يفكر كيف يصل إليها؟
مر الوقت وانتهى اليوم، كان يجلس ويتحدث معها بشغف لم يشعر به من قبل؛ لذا افتقدها واشتاق للحديث إليها، شعور الظمآن الذي فقد بئر الماء العذب الذي يرويه، يا للشقاء !! ، حاول منع نفسه أكثر من مرة من الاتصال بها لكن رغبته غلبته ، ارتبك حين سمع صوتها ولم يسعفه عقله لأبداء سبب منطقي لاتصاله.
- كنت أود معرفة سبب خروجك المفاجيء دون اخباري؟ !
- إخلاء المكان لشخص يستحق.
- حقًا ؟!
- حقًا.
- من يفعل ذلك يشهد له الجميع أنه ذا جمال خاص.
- أهو مدح للمداعبة أم للتلاعب؟
- عن أي تلاعب تتحدثين؟
- أغضبتك ؟ اعتذر.
- مازلتي جميلة ولم يصبك أي تشوهه رغم محاولاتك في إقناعي بالعكس.
- لما تقول ذلك فجأة؟
- لأن الشخص المشوهة لا يشعر بإسائته ويعتذر عنها، أود رأيتكِ بعيدًا عن المشفى.
- (تبتسم ولا تتحدث)
- هل تخافي من طلبي؟
- مما أخاف ؟
- منذ البداية أشعر بخوفك وأحاول فهمه لأصل في النهاية أنه خوفًا إيجابيًّا وصحيًّا أيضًا.
- وكيف ذلك ؟
- يجب أن نلتقي لأشرح لكِ الأمر وليس ذلك تحجج أو ادعاء بل الحقيقة العارية من أي زيف.
- أشعر بذلك.
اتفقا على اللقاء وحان الوقت، كان التردد والخوف يتصارعان في مواجهة الثقة والاطمئنان، وصل قبلها وانتظرها، رغم تأخرها لم يبدو عليه التذمر أو اليأس بل كان هادئًا واثقًا أنها لن تخلف وعدها، خفق قلبه فعلم بقدومها قبل أن تراها عينيه، تبادلا التحية والسؤال عن الحال، ثم حل الصمت بينهما لدقائق فبادر هو بالحديث.
- لن أزعجكِ بعد الآن لكن كان لابد من لقاء لأخبرك أنك الجميلة السوية، قلبك لم يصيبه أي تشوهه بل هو مصدر جمالك.
(كانت تنظر إليه دون أن تنبس ببنت شفة ، بكت من قلبها قبل أن تدمع عينيها)
- بكائك يُأكد ما أقوله ويشعر به قلبي ، قلبك مازال ينبض بالحياة والحب، قلب من ذهب يزيده اللهيب بريقًا وصفاءًا.
- (تتحدث من بين دموعها) ولذلك أخافك.
- أعلم أن معرفتي بكِ إلى هذا الحد تخيفكِ.
- ليس الأمر كذلك، أنا أخشى على قلبك، رأيت الحب في عينيك لذا أثرت البعد.
- لقد اختصرتي المقدمات الطويلة التي كنت أفكر بها، لا ترحلي خوفًا عليَّ بل اقتربي لحد الألتحام، أنا لا أخشى على قلبي معك بل أخشى عليه بدونك.
- أهو أسلوبك الجديد في العلاج؟
- أنتِ صحيحة وأنا العليل فداويني، أمامك أنا طفل يتعلم منك أصول الحياة فلا تبخلي.
- قالها قبلك وصدقته وعذبني.
- لن أتحدث بلساني، سأترك الحديث لنبضات قلبي ونظرات عيني.
تبادلا النظرات، تناول يدها بين يديه ووضعها على موضع قلبه، كانت تنظر إليه في تلك الأثناء كأنه يحادثها، بعد وقت لا يدري أحدهما مداه، قال:
- سانتظر منك كلمة واحدة يحيى بها قلبي وتضيئ بها عيني.
في المساء صوت رسالة على هاتفه فتحها مترقبًا حذرًا رغم أمله
"كنت أخشى عليك القرب مني أم الآن فأخشى على نفسي البعد عنك"
صاحبة القلب الجميل
التعليقات