تستيقظ بعدما مرت أرماء الهوى بمائها الزلال ،وقد ونى الكرى عن مضجعها،مصطحبا معه لمزات عشيقها،تاركا أعسان شطط يديه،على ترائبها...

ليعانقها الديجور الوبيل،وكأنها تنهزم أمام لمز شيطان التعلق..باسنادها خيباتها على جدران بيتها الأصير،لتعلن تمردها على لغوب تضحياتها معه،حتى بنات فكرها جاسوا قلبها القشيب،المنهزم كأريس مقتطفة من صحراء قاحلة..

وبفتحها عيناها الخضروات،يزهر النور بين حنايا وزوايا عقلها،كانعكاس الأمل بين أوداج الظلام،قاطعا واحاته الكئيبة..

أهنفت تاليا كعروب فقدت بعلها،شهيد حرب ضروس،بينه وبينها رحمة،عجلت رثائها..

بكل ما وهبها الله من عاطفة،ولكن الإهلاس فاجئ فكرها،بعدما اتقدت تضاربات ذكرياتها،مع حبيبها الخائن..

فيراقصها الصمت كنديم،ارتدى فستان التنمر الأنثوي،برقة نبراته المكتومة،أعلنا معا تمردا ساخر..

فتتقىء ذكرياتها كل آمالها معه،لتحظى قبل أن تقفز من سريرها،بصخب مطير،بالشتائم اللامتناهية،لذاك الأرقع،فكيف له أن يتخلى عنها،وآنى لها أن لا تتوقف عن التفكير،بمن فقد وفاء الكلاب...فتمقت مشاعرها الراكدة في وحل نرجسيته الوحشية..

فمن توقته بأمانيها سابقا،بدى لها كالقّهب الشاهق،ولتنبش منه آلامه،تحولت بأناها يسوقها الشعور،كمعول ينهش أحزانه،ليفتح في فؤادها رتاجه،محتضنا كل الآسى..

فلطالما اعتقدت بأن حبكة حياتهما،من الدّجالة،ولشدّة عشقها له كانت وفية كعبهرة،ترقب فارسا عظيم..

ذاك الصيدح، الذي سيهبها كل ذرة جوى،ليغمرها بفيض من المشاعر النبيلة،بل وسيفتح لها كل أبواب الأماني...

فبممالأة عدوها،حسبت بأن تترك سدى،ذاك ما أنبأها ما تبقى من صوت العقل، داخل رأسها،إلا أنها أبت الانصات..

فالقلب تعلق بمن وهبها النزر من العاطفة،في مقابل سطوته ،على كل ما امتلكته يوما..

فقد رماها الحبيب بعقم في شبابها،وليتها عقمت قبل شماتة أعدائها بها..

فيض من الأفكار المتراقصة،تقرع قلاع وحصون ذاكرتها،فتفوح منها راوئح آجنة،تعطر بها المخادع المريض..

فباسترجاعها لشرائط من مقتطفاتهما معا،مقتت ضعفها ولينها،وكرهت أن ترى ابتسامتها له،مع كل حرف يلقيه على مسامعها..

وهي كالساذجة،يرق بصرها لسماحته،ورجولته وحبها الخالص لها..

ذاك غيض من فيض،ما أحدثته نرجسيته فيها..

ولتعيد الرحى عربون من الذكريات الآسية معه،أطلقت عنان السفر،لتطرق أول أيامها مع يزن..

ذاك الرجل الذي نهش منه غروره،بُراضة من كبرياء ساحر،جعل أعناق الحسناوات،اللواتي يختطفن شخصه،في لمح البصر،كمجدٍ رجولي،يطمحن الظفر به...

فمنهن من غامرت بكل ما ونت به،سحابة أنوثتها من فتنة،ترجو قربه و اختياره لها،لتكسر جسامة تبجحه،فتوقعه في شباكِ هواها،على أمل احياء ثقتها بأنوثتها،إن لم يقاوم بلسم جمالها.

ومن هن حسنة الدّلال،ألمعيّة البصيرة،تكيد له بمفاتنها،كما فعلت مع الذين من طينته،ومع ذلك نالت شراكها طعم الهزيمة،فكان شامخا يخيف أقوى النساء..

فبتحديهن لأنفسهن أولا ،لتحظى الواحدة بمثله،لهو ضرب من الاستحالة...

هكذا خيل لها،وما ارتسم في قلاع حماها،كامرأة تثب الثقة بنعومة ورقة،مستوطنة روحها...

كل تلك الشذرات وليدة الحسرة في نفسها،خلقت من حصون ذاكرتها المتعبة..

جعلت أول انطباع لها ليزن،في أول لقاء لهما في نادي القراء،تتجلى صوره أمامها،كشريط وثائقي،يعيد كتابة أسطره،ويدشن لها أول لقطاته،بكلمات مسموعة،بين ناظريها وسمعها..

فذاك النادي هو أول محفل،تقرع فيه أول نبضات فؤادها،بعدما كسرت و همدت،كبئر خاوية.

وفي منتصف شهر تموز،منذ سنتين،حدقت مقلتيها،لأول مرة لرجل،باعجاب مطير بالعجب..

فآنى لقلبها الخفقان،بعد ركود الحياة فيه.

قد عجلت ذكراه،مشهد التقاء عينيهما لأول مرة،ولكن يزن،ذاك الاسم الذي توجست أذنيها من قبل حرفه.

فشعرت بطوق فضولي،لمعرفة صاحبه قبل يوم اللقاء..

ومن هنا تطربها أفكارها المتناحرة فيما بينها،بسؤال أزعج صفاء ذهنها لوهلة"ساره تدقق كثيرا في تفاصيل الزائرين،لسيما الذكور! بحق الإله كيف لها ،أن تصف هذا الشهم،بالأبله المتعجرف؟"

ثم تنهدت بابتسامة صادقة،أحيت لذة رايات البدايات..

"كم هفت نفسي لرؤيته،خاصة بعد أن خضنا،ذاك النقاش الجميل.. وراء رفوف مكتبة النادي الضخمة،تحدثنا و ضحكنا ،بل و تنمرنا على بعض الزائرين...فكيف لي أن أطمئن لنبرات صوته عندئذ،فهو غريب..وأنا الغريبة و الأشد غربة منه! فأنا أجنبية عنه،ومن دولة شقيقة"

لم يتوقف سيل أفكارها عن النزيف،فتحتضن وسادتها،لتنعم بقسط من الراحة..

ليعانقها الحلم،بسرابٍ واقعي،فبلجت رسالة مشفرة،يحملها والدها الراحل ،صفاء الدين..

وقبل أن تنقّب في أحرفها،لطمها الفزع،فاستيقظت من التغفيق،على صوت صرير الراديو..

حدقت بسقف غرفتها الوردي،الذي شابها لطافتها،وحماسها المتقد،في فك كلبشات تعلقها..

ثم رشقت الوسادة حذو نافذتها المطلة على الشاطىء،وكأنها ثلبت يزن لتغرقه فيه،دون عودة..

فتسارعت خطواتها نحو مكتبها،لتلتقط احدى كنوزها،الملقات في درجه..

حاملة لواء أسرارها،مدونتها التي لم تخنها قط،على عكس البشر،ذاك الكراس الذي لطالما أغدقها بالهدوء،بعد نوبات انهياراتها..

فقلبت صفحاته بشكل عشوائي،ليسيقها القدر،ل "تآمر وعاب"،ذاك العنوان أحدث هيجانا عاطفيا داخلها،وشعور زاحم الضيق في شدته..

لتفتح آخر رسائل يزن لها،لتقرأها بارتعاش لم تعهده من قبل،بصوت يعيد قصيدته،وهي تحاول محاكاة القاءه لشعر،علّها تجيد بعدها فك شفرات كلماته،المندسة كجرعات السم في رسالته..

**قالت فئدت

وأنت العطب

شكوت لنفسي

أأنثى هي

فردت عجب؟

سَموتَ لقلبي

يا هذا

كعنكب يصيد

العثاث

فمرت بقربك

ماذا؟

أميرة حور

الغاب

تنثر رمادا حليما

محبا كان عظيما

فكُنتُ كقِدر تآكل

ذاب

فغلقت أبواب

العذاب

أتعلم حبك

ماذا؟

شهيد عاد وغاب

أعشقك الموصب

خاب؟

أتنش عنك الذباب

بربك توقف عن

نشر

الهباب

فرد بذهن نفور

مشاعر باتت فيه

تفور

فأمسك عقله

عن الحضور

فوصم فؤاده

لعشق تلاشى

فأستوقف بسمة

لا تتماشى

مع أسئلة

ألقته في أرض بور

أضافت بدمع

زاده قمعا

ففكت وثاق صمت

طويل

بماء العيون

بجهد يسير

أضافت ملامة

جعلت وجهه

عنه

يزيل ابتسامة

بنصر أحست

فطارت سلاما

تضيف لقولٍ

يسكنه هياما

تلك التحية

تصرم نياط

قلبه وئاما

فقال سلاما**

#يتبع

#محمد_الهادي_بن_الصادق