<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0">
	<channel>
		<title>حسوب I/O - مساهمات المستخدم Scorpio</title>
		<description>المساهمات التي أرسلها Scorpio - حسوب I/O</description>
		<language>ar</language>
		<generator>حسوب I/O</generator>
		<item>
			<title>عودة الغريب إلى الجذور الضائعة</title>
			<pubDate>Thu, 21 May 2026 15:33:18 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182932-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A8-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B0%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D8%B9%D8%A9</link>
			<description><![CDATA[(عودة الغريب إلى الجذور الضائعة)   وصل بسيارة أجرة، أنزلته أمام جامع القرية القديم. ترجَّل ببطء، وعيناه تجولان على المكان الذي تركه منذ ستين عامًا. الطريق الترابي يمتد أمامه، ضيق ومليء بالحفر، فيما الأعشاب البرية نمت على الجانبين. بعض البيوت بدت مهترئة، تحمل آثار الزمن، وأخرى جديدة، لكنها بلا روح بالنسبة له. يقلب وجهه يمينًا ويسارًا، يراقب الأطفال يركضون غير مكترثين، وكبار السن يجلسون تحت ظلال الأشجار، يتحدثون بصوت خافت كأنما يترددون في إزعاج السكون.  عبرت بقرة من أمامه، يتبعها حمار يجر عربة صغيرة محملة بأكياس التبن. رفع بعض القرويين رؤوسهم ونظروا إليه باستغراب، عيونهم تتساءل عن هويته. كان غريبًا بينهم، لا أحد يعرفه، ولا هو يعرف أحدًا. الزمن قد مسح الوجوه التي كانت مألوفة.  بخطى متثاقلة، اتجه نحو الجامع. المبنى القديم يشع برودة الزمن. دخل بهدوء، توضأ بيدين مرتجفتين تحت صنبور الماء البارد، ثم وقف لأداء الصلاة. بعد انتهائها، جلس في أحد أركانه، مستندًا إلى الجدار. لم يكن هناك أحد غيره، فقط سكون القرية القديمة يحيط به، وعقله يسبح في ذكرياته.  بدأت الذكريات تتداعى. عاد الزمن به إلى ذلك اليوم الأسود حين توفي والده، الحاج أحمد الناصري، الذي كان الجميع يحترمه. «سميتك سعيد على اسم جدك»، هكذا كان والده يقول دائمًا. لكن السعادة هربت سريعًا بعد موته. بعد أسبوع واحد فقط، كان أعمامه قد أخذوا كل شيء. مزَّقوا البيت، أخذوا الأرض، وتركوه وحيدًا، بلا سند. لم تمضِ سوى أيام حتى اضطر للهروب، هربًا من قسوتهم وظلمهم.  بعد أن هرب من قريته، بدأ رحلة طويلة بلا هدف واضح، فقط مشيًا على الأقدام من قرية إلى قرية، طريقه مليء بالغبار والحجارة. كان الفتى سعيدًا بملابسه البسيطة التي لم يكن يملك غيرها. الرمال طرحت على قدميه الحافيتين، وملابسه بدأت تتسخ وتتشقق من كثرة السير. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكنه كان يعرف أنه لا يمكنه العودة.  عبَر القرى الصغيرة، كل واحدة منها تحمل وجهًا مختلفًا من الحياة، لكنه في كل مرة كان يمر بها غريبًا، مغمورًا بين الوجوه. في إحدى القرى، استوقفه صوت بائع متجول يصرخ بأعلى صوته. فكَّر للحظة أن يطلب العمل، لكن وجهه المتسخ وثيابه الرثة لم تمنحه الشجاعة. مرة أخرى، مرَّ بامرأة عجوز تجلس على حافة الطريق، رمت إليه نظرة حزينة لكنها لم تتفوه بكلمة. الأطفال كانوا يركضون حوله في الأزقة، يضحكون ويتساءلون من هو هذا الغريب.  بعد أيام من المشي المتواصل، بدأت المدينة تظهر في الأفق. كانت المدينة أكبر من كل ما تخيله. الأبنية العالية، الأسواق المزدحمة، والناس الذين يمشون بلا توقف. وجد نفسه فجأة وسط هذا الزحام، دون مأوى أو طعام. الأيام الأولى في المدينة كانت الأصعب. لم يجد مكانًا للنوم سوى الأرصفة، يتكور على نفسه في زاوية مظلمة، مرتجفًا من البرد. لياليه كانت طويلة، يجلس مراقبًا القطط التي تبحث عن الطعام بين القمامة، وكانت في بعض الأحيان تشاركه في طعامه القليل. الجوع كان يدفعه إلى أكل ما يجده من بقايا طعام متروكة في الشوارع، لا شيء كان يدوم.  رغم كل شيء، لم يفقد الأمل. في أحد الأيام، وبينما كان يبحث عن عمل، التقى برجل مسن يملك متجرًا صغيرًا. الرجل، على الرغم من شكله القاسي، رأى شيئًا في عيني سعيد، شيئًا جعله يفتح له بابًا نحو مستقبل جديد. «أنت تبحث عن عمل؟»، سأل الرجل بحدة. سعيد، الذي كان يرتدي ملابس ممزقة متسخة، وبرأسه الأشعث وشعره غير المرتب، أومأ بنعم. بدأ عمله في المتجر بتنظيف الأرفف وجمع البضائع. كان سعيد يتفانى في العمل، يعمل ليلًا ونهارًا دون توقف. كان يعلم أن هذه فرصته الوحيدة للخروج من الفقر الذي يحيط به.  بمرور الأيام، لم يعد سعيد ذلك الفتى الهارب بلا هدف. ساعده رب العمل في تعلم التجارة، وبدأ يفهم أسرار البيع والشراء، وكيف يحقق الربح. بدأ يقابل التجار الكبار في السوق، يتعلم منهم، ويسمع قصصهم عن النجاح والفشل. شيئًا فشيئًا، بدأت أكتافه تقوى، ويداه المعتادتان على العمل الشاق أصبحتا أكثر قدرة على التحكم في الأمور. لم يمضِ وقت طويل حتى جمع بعض المال، وفتح متجره الخاص، وبدأ رحلة النجاح.  في يوم من الأيام، حين كان سعيد جالسًا في متجره، محاطًا بالبضائع والأموال، استرجع تلك الأيام التي قضى فيها حياته في الشوارع. لم يكن يتخيل يومًا أنه سيصل إلى ما وصل إليه. تزوج من امرأة جميلة ورُزق بالأبناء. أصبح لديه بيت كبير، وأموال تكفيه وأبناءه. ومع كل هذا النجاح، لم ينسَ أبدًا الطريق الطويل الذي سلكه.  الآن، بعد أن عاد إلى قريته، كان يجلس في ركن الجامع يتأمل. عاد ذلك الطفل الذي هرب من الظلم، لكنه عاد هذه المرة رجلًا قهر الزمن وقساوة الحياة. تذكَّر كل تلك الوجوه التي مرَّ بها في رحلته، وكل تلك اللحظات التي كانت تمثل نقاط تحول في حياته. شعر بثقل السنين وهو يعود بذاكرته إلى الوراء، متسائلًا عما إذا كان كل هذا قد حدث حقًا.  استفاق من غفوته على صوت الأذان الذي يصدح في الأرجاء، كأنه نغم قديم يوقظ الذكريات المدفونة. انتشله الصوت من أفكاره، وعاد إلى الواقع محاطًا بسكون الجامع. قام ببطء، يشعر بثقل السنين على عاتقه، ولكن شيئًا ما في تلك اللحظة أضفى عليه شعورًا بالسكينة. تجهَّز للصلاة مع الجماعة، متوجهًا نحو مكان الوضوء.  وقف أمام الصنبور، غسل وجهه، وكأن الماء يجرف عنه غبار الأيام. كانت المياه باردة تنعش روحه، تعيد إليه الإحساس بالوجود. نظر في المرآة، ورأى نفسه: لحية بيضاء، وشعرٌ مشيب، لكن عينيه تلمعان بأملٍ لم ينطفئ. كان الوقت قد حان، وبدأ يمسح يديه ووجهه برفق، حتى يبدو لائقًا للصلاة.  بعد أن أنهى وضوءه، اتجه نحو الصفوف. كانت الأجواء مفعمة بالخشوع، والناس يتجمعون حوله. انضم إليهم، وقلبه يخفق بانتظار الصلاة، يشعر بارتباطه من جديد بجذوره، كما لو كان يعود إلى ذاته القديمة، تلك التي فقدها في زحمة الحياة. صلى الظهر مع الناس، وجلس في المسجد بعد الصلاة، يشعر بأن الحنين قد ملأ قلبه.  كان يتأمل في الوجوه التي مرَّت به، حتى اقترب منه رجل في الأربعينيات من عمره، ملامح وجهه تظهر الصلابة والحنان في آن واحد.  «حياك يا عم، معنا نغديك اليوم! أنت غريب، وهنا لا توجد مطاعم، لكن أنت ضيفنا!» قال الرجل بحماس.  رد العايد سعيد: «جزاك الله خيرًا، أنا الحاج سعيد، جئت من المدينة عابر سبيل ونزلت هنا. ومن أنت؟».  قال الرجل: «أنا اسمي خالد الناصري».  عندما سمع سعيد الاسم، قال في نفسه: «هذا من عائلتي!». ثم أضاف: «والنعم، أنت ابن من أولاد الناصري؟».  رد الرجل: «أنا خالد سالم ناصر، سعيد الناصري».  ثم سأله: «هل تعرف أحدًا منهم؟».  أجاب العايد: «لا، لكنني أسمع عنهم».  كان سعيد يفكر في نفسه: «كيف لا أعرفهم وأنا منهم؟!».  قبل العايد سعيد عزيمة خالد لكنه لم يخبره من يكون. في المنزل، بدأ سعيد يسأل خالد عن أهله، وأبيه، وجده، وبقية العائلة.  استمر الحديث بعد الغداء، حيث جلس العايد سعيد وخالد يتجاذبان أطراف الحديث. سأل العايد خالد عن عائلته، فبدأ خالد يتحدث:  «جدي ناصر قد توفي منذ زمن».  سأل العايد: «كم أخًا لجدك؟».  رد خالد: «ثلاثة. واحد توفي منذ زمن، أحمد، وكان له ولد اختفى بعد وفاة والده. البعض قال إنه هاجر، والبعض الآخر قال إنه مات، ولكن لا نعرف مصيره. وله أخ آخر اسمه عمر، لكنه أيضًا مات. أما جدي ناصر، الله يرحمه، فلديه أربعة أولاد: سالم، أبي، وإخوانه علي، وأحمد، وسعد».  كان العايد يستمع بانتباه، وكل اسم يذكره خالد كان يعيد إلى ذاكرته وجوهًا وذكريات من ماضيه. تذكَّر جيدًا تلك الأسماء: عمه ناصر، وعمه عمر، وأبناء عمه سالم، وعلي، وأحمد، وسعد. تلك العائلة التي تركها منذ زمن بعيد عندما كان طفلًا، لكنها ما زالت تعيش في ذاكرته وكأنها لم تغب.  ومع كل ذكرى تعود إليه، كان يعيش العايد مشاعر متناقضة. الحنين إلى الماضي وأيام الطفولة التي عاشها في القرية، كان يمزج نفسه بالحقد على الظلم الذي تعرض له من أعمامه بعد وفاة والده. كيف أخذوا كل شيء منه وتركوه يهرب وحيدًا؟ وفي الوقت ذاته، كان يشعر بالنجاح الذي حققه في المدينة، حيث كافح وبنى نفسه ليصبح تاجرًا ناجحًا، زوجًا وأبًا، ليعود الآن رجلًا مكتملًا بعدما كانت طفولته مليئة بالحرمان.  كانت هذه المشاعر المتداخلة تتحرك في قلب العايد، بين رغبة في المصالحة مع الماضي، وبين فخر بما أنجزه بعيدًا عنهم.  عند أذان العصر، خرج العايد سعيد متوجهًا إلى المسجد ليصلي مع الجماعة. وبعد الصلاة، جاء خالد ليأخذه لزيارة أبيه وأعمامه: سالم، علي، أحمد، وسعد.  دخل العايد على الرجال الأربعة، تلك الوجوه التي كانت بريئة عندما هرب. كانوا أطفالًا صغارًا حينها، واليوم أصبحوا رجالًا كبارًا أكل عليهم الزمن وشرب.  نظر إليهم وابتسم في داخله: «ها أنا عدت، ولكن لم أعد أعرف عائلتي. لولا أنني أريد أن يعرف أبنائي أن لديهم عائلة، لما عدت لأرى هذه الوجوه التي أكل عليها الدهر وشرب».  جلس العايد بينهم، وكان يحاول أن يستعيد ملامحهم، لكن الزمن قد محا تلك الذكريات القديمة.  أحاديثهم كانت مليئة بالحنين والحزن في آن واحد، وفي لحظة صمت، قرر العايد أن يسألهم سؤالًا.  سأل العايد أبناء عمه الأربعة بنبرة متحفظة: «خالد أخبرني أن لكم ولد عم ضاع عندما كان طفلًا. كيف ضاع؟».  تكلم سالم، أكبر الإخوة، بحرقة وهو يستعيد تلك الذكريات المؤلمة: «نعم، ولد عمنا أحمد كان اسمه سعيد. اختفى بعد وفاة أبيه. لم نعرف عنه شيئًا. كنا صغارًا، وقالوا لنا إنه اختفى... بحثنا عنه، لكن لم نجد له أثرًا».  كانت الكلمات تثقل الهواء بينهم، وسعيد كان يسمع تلك الحقيقة من رجل كان طفلًا حينما هرب. قلبه يتماوج بين حزن قديم واعتراف مرير.  «هل يعرفون يومًا أنني هو؟» فكر العايد في نفسه.  كانت تلك الجملة تدور في عقله بينما هو يجلس بين أبناء عمه، ولكنه اختار الصمت، تاركًا القصة في قلبه، بينما الذكريات تتفاعل في نفسه كالنار التي لا تنطفئ.  وفي صباح اليوم التالي، استيقظ العايد سعيد مع شروق الشمس، وقد عقد العزم على العودة إلى المدينة.  قرر أن يمضي في طريقه دون أن يخبر أبناء عمه أو أي أحد من أهالي القرية بحقيقته.  استعد بهدوء، وجمع ما كان معه من أمتعة بسيطة، ثم خرج إلى الطريق الرئيس ينتظر أول سيارة متجهة إلى المدينة.  وقف هناك للحظات، يتأمل القرية التي كانت في يوم ما بيته، لكنها اليوم غريبة عنه، مثلما هو غريب عنها.  شعر بثقل الذكريات التي عاشها هنا، وبقرار تركها خلفه دون مواجهة الماضي. ومع صوت اقتراب السيارة، تنهَّد بعمق، ثم صعد إليها، تاركًا وراءه حياة لم يعد يريد العودة إليها.  وبينما كانت السيارة تنطلق بعيدًا عن القرية، ظل العايد سعيد يحدق في الطريق، متأملًا حياته الجديدة، متسائلًا إن كان يومًا ما سيفصح عن هويته الحقيقية، أو سيتركها طيَّ النسيان.  وعند وصوله، قرر أن يكتب وصيته ويكتب فيها كل شيء حدث له، بتفصيل... وتحدث عن عائلته، وحتى عن رحلته الأخيرة.  وفي ختامها كتب: «أما أنا، فقد عشتُ غريبًا وسأموت غريبًا... أما أنتم يا أولادي، فهذه جذوركم وأصولكم، إن أحببتم أن تذهبوا لهم... أو لا».  ثم أغلق الوصية، وأعطاها لابنه الكبير وقال له: «لا تفتحها إلا بعد أن أموت».]]></description>
		</item><item>
			<title>دفن مؤجل</title>
			<pubDate>Tue, 19 May 2026 15:49:11 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182862-%D8%AF%D9%81%D9%86-%D9%85%D8%A4%D8%AC%D9%84</link>
			<description><![CDATA[الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلًا.  أصوات غير مألوفة... أو هي مألوفة ولكن نادرة.  أصوات صراخ وبكاء، وبعض الأحاديث غير المفهومة، تمتمات تبدو معروفة وإن بدأت غير مفهومة.  هل أقوم من فراشي؟  أنظر ماذا يجري؟  لا، لن أقوم.  وماذا سأفعل لو قمت؟  هل يحتاجون لي في شيء؟ لا.  هل يخبرني أحد عن ماذا يجري لو خرجت؟ لا.  هل يكلِّفني أحدهم بشيء لو خرجت؟ لا.  حتى البكاء... لن يكلِّفني أحد أن أبكي مثلهم.  ربما مات أحدهم. لقد ارتاح منهم.  وهم الآن يبكون على فقد شخص... ربما كان حقيرًا أو شريفًا، لا أعلم.  لكنهم لا يبكون لأنه فقد ملذَّات الحياة وانتهى، بل يبكون لأنهم فقدوا هم جزءًا من ملذَّاتهم فيه، سواء كانت إيجابية أو سلبية.  سمعت أحدهم يذكر اسمي.  أوه، تطوَّر الوضع.  لن أقوم من مكاني. دعهم يفعلون ما يشاؤون.  غدًا سيكون الصباح، وسأعرف من مات.  هل هو شخص واحد؟  لكن البكاء أكثر من كونه شخصًا.  ربما شخص كبير الفائدة، وإن يكن، لقد ذهب.  لم يفدني أحدهم في حياته، هل سيفيدني الآن؟  ضحكت، وسحبت الغطاء، وأدخلت نفسي في نوم عميق.  وهناك، في النوم، كان العكس.  حلمت أني صحوت وخرجت،  وجدت القرية كلهم ماتوا.  أتحسس الجدار والأمكنة،  وجدت شخصًا واقفًا على المقبرة، مجهِّزًا نفسه ليموت.  سألته  قال «وينك؟ تأخَّرت. كنتُ أنتظرك تموت لأدفنك، ثم أموت أنا. هذا قبري، وهذا قبرك. لقد دفنَّا الكل، واحد تلو الآخر... وباقي أنا وأنت».  قلت له: «مُتْ أنت، وأنا سأدفنك».  قال: «لا. هذا عملي. لن أموت حتى أدفنك».  قلت له: «إذن... لن تموت».  وهربتُ للجبل.  ثم نزلت على قرية أخرى كان فيها شبه حياة.  وكان الناس يتبادلون أخبار موتى قريتي.  ثم فجأة، التفَّ حولي الناس، وكل واحد منهم يسأل ألف سؤال.  هربتُ منهم.  عدت للرجل، لقيته واقفًا.  قال: «خَلِّصني... انتظرتك».  قلت له: «لن تموت إذا كان موتك مرتبطًا بدفني... لن أمنحك هذا الشرف».  ثم انطلقت مسرعًا إلى الفراغ.. إلى ما لا نهاية.]]></description>
		</item><item>
			<title>الى وهم كان</title>
			<pubDate>Tue, 19 May 2026 13:17:23 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182856-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D9%88%D9%87%D9%85-%D9%83%D8%A7%D9%86</link>
			<description><![CDATA[(إلى وهمٍ كان)  وصلتني رسالتك، أيها المجهول.  وترددت كثيرًا قبل أن أكتب لك... لم تكن إلا هذيانًا من رجلٍ لا أعرفه تمامًا، أو ربما أعرفه أكثر مما يظن.  لكن شيئًا في كلماتك استوقفني، دفعني أن أفتح صندوق الذكريات الذي أغلقته منذ زمن، وسألتني:  «هل كانت تلك النظرات التافهة بيننا ذات يوم، حقيقية؟».  أخبرك الآن:  نعم، كانت حقيقية...  وأكثر مما كنت تتصور.  لكنك نسيت شيئًا مهمًا.  أنت تملك حرية أن تقول لزوجتك إنك كنت معجبًا بفتاة قبْلها.  أنا؟ لا أملك حتى حرية التفكير بتلك المرحلة.  إن تذكرتُ، فأنا آثمة، وإن تكلمت، فأنا ساقطة.  ذكريات النساء تُدفن، رغباتهن تُخنق، وأسئلتهن تُعد وساوس شيطان.  أرأيت الفرق، يا عزيزي؟  ثم تقول إنك ندمت لأنك لم تتزوجني.  منعك الخوف، تقول.  لكن لا أحد منعك من الكلام، من الرفض، من القرار.  لم تكن عبدًا، كنت فقط جبانًا.  بينما أنا -بلا أي امتياز- صمتُّ، فرضيتُ، فسار القطار، وأنا فيه.  ليس لأنني اخترت، بل لأن لا أحد سألني.  قلتَ إنك كنت تُخَيَّر بين بنات، وإنك اخترتَ من بينهن.  أما أنا؟ لا خيار، لا سؤال، لا صوت.  السكوت عندنا قانون، وحُجَّة، وإدانة في الوقت نفسه.  تظن أنك اختلفت عن زوجي؟  كل الرجال متشابهون، حتى حين تتغير أفكارهم، تظل أفكارًا فقط، تُقال في رسائل، لا تُترجم في الواقع.  أما عن الأطفال...  قلتَ إنك لا تحب كثرتهم.  لكنني لست مثلك.  أنا، مثلي مثل أمي وأخواتي، أنجب كي أعيش.  وجود أطفالي هو الشيء الوحيد الذي أملكه.  زوجي -مثلك- كثير السفر، كثير الغياب.  وإن كنتُ آلة للعمل، فأنا في الأقل أعمل من أجل أولادي، لا من أجل هروب طويل من الذات.  قلت إن حياتي تافهة، وأنا أقول لك:  لو لم أنجب، ما الذي يبقى لي في هذه الحياة؟  لا تعليم، لا وظيفة، لا مستقبل... في الأقل أنا أم، وزوجة أمام الناس.  وذلك وحده، يا عزيزي، كافٍ ليمنحني ظلًا… وإن كان وهمًا.  في النهاية...  الفرق بيني وبينك ليس في الحب، بل في القدرة على قول الحقيقة.  أنا إنسانة.. لا حول لي ولا قوة.  أما أنت.. فجبان.  فمَن أحق أن نلوم؟]]></description>
		</item><item>
			<title>الى حلم لم يكن</title>
			<pubDate>Tue, 19 May 2026 13:13:32 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182855-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%AD%D9%84%D9%85-%D9%84%D9%85-%D9%8A%D9%83%D9%86</link>
			<description><![CDATA[(إلى حلم لم يكن)  أتذكر أول لقاء بيننا؟ لم أكن أعي شيئًا منه، ولا أنتِ كذلك. كان مجرد تلاقٍ عابر، نظرات متبادلة بلا معنى، في عالمٍ لم يعنِ لنا شيئًا بعد. لا طموح، لا وعي، سوى تلك النظرات المسروقة، وكأنها الهواية الوحيدة المتاحة في مرحلة لم نملك فيها لا الحُب ولا الرفض.  كبرنا. وتغيَّرت قوانين اللعبة.  زادت المراقبة، وقلَّت النظرات، حتى صار بيننا جدار متهالك، كنت أسمعك من خلفه وأشعر أن صوتك يخصُّني وحدي. كنت أقهقه أحيانًا دون سبب، فقط كي أقول لك: «أنا هنا». أعلم أنها تفاهات، لكن ماذا تنتظر من مكان تافه؟  آخر نظرة كانت منك، لا، لي أنا فقط.  مسروقة. لم تنتبهي. كنتِ منشغلة.  لكنها ظلت محفورة في ذاكرتي: وقفتك المائلة، شعرك الطويل المسدول كدرعٍ يحمي ظهرك، يدك اليمنى تشرح، واليسرى تسند خصرك المتعب من الوقوف. خطواتك الصغيرة، المترددة، وكأنك تريدين الهرب من الحديث، من الموقف، من كل شيء.. حتى من نظرتي.  أتعلمين؟  حين أخبرني أخوكِ أن هناك من جاء يطلب يدك، حزنت.  لا أدري هل كنتِ تريدينه أم لا، لكني أعلم أن لا أحد يسألكن، وإن سألوا، فالجواب واحد: السكوت. لأن السكوت، كما يقولون، علامة رضا.  هكذا نحن.  في مجتمع يرى المرأة مجرد موافقة صامتة، لا رأي لها في الزواج، ولا حتى في إنجاب أطفالها.  هل أنتِ سعيدة الآن؟  هل زواجك مختلف؟  هل وجدتِ فيه شيئًا منكِ؟  أتذكَّر عندما كنا صغارًا، سألتِني: «هل ستتزوجني إذا كبرنا؟».  هربت منك وقلت «لا أدري». كنت صغيرًا، وخائفًا من فكرة الزواج، وها أنا كبرت، وتزوجت بالطريقة نفسها التي تزوجتِ بها.  صار عندي أطفال، مثلك.  لكني تأخرت كثيرًا، حتى خطَّ الشيب رأسي، ليس من العمر، بل من الإرث الثقيل الذي ورثناه.  بالمناسبة، خطبتُ فتاة قبلك، لكنها ماتت.  ربما كانت نجاتها بالموت.  لا أعلم إن كانت ستنجو بي أو مني، لكن حياتي لم تكن يومًا مستقرة. تقلبتُ في الأفكار، والمواقف، والمبادئ. أشياء لا تفيدكِ، ولا تعني لكِ شيئًا، أعرف.  هل لديكِ أطفال كُثر؟  أنا لا أحب كثرتهم.  أحب أن أربي عقلًا، لا أن أُنجِب عددًا.  طفلٌ أو اثنان يتعلمان أفضل من عشرة يتخبطون.  لكن أعلم أيضًا أن قرار الإنجاب ليس بيدك.  في أعينهم، أنتِ (أمٌّ) فقط، بلا صوت، بلا إرادة.  عرفتِ الآن لماذا أصف هذا المجتمع بالتافه؟  لو تزوجتُكِ، ربما كنتِ سترفضينني لاحقًا.  أنا لم أعد ذلك الفتى الذي كنتِ تعرفينه.  ذلك الشخص مات.  أنا إنسان جديد تشكَّل من خيباته، من قراءاته، من ليله الطويل.  الأفكار تغيِّر أصحابها، تهذِّبهم، تمزِّقهم أحيانًا.  ربما أنتِ أيضًا تمتلكين أفكارك.  لكن تقتلينها داخلكِ، لأن التفكير فيها وحده جريمة، ووسواس.  لا أدري، أنا فقط أتخيَّل.  لديَّ الكثير لأقوله، لكنني لن أرسله.  أنتِ، في الغالب، لن تقرئي هذه الكلمات.  وربما... ربما لم تكوني موجودة من الأساس.  فمن أكتب له؟  لا أعلم.]]></description>
		</item><item>
			<title>مئة عام وليلة</title>
			<pubDate>Tue, 19 May 2026 08:46:34 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182848-%D9%85%D8%A6%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9</link>
			<description><![CDATA[عاشت مئة عام، وماتت في ليلة، كأنها لم تُخلق أبدًا. كأن القرن كله لم يكن إلا وهمًا طويلًا، مسرحية سخيفة كتبها الزمن ثم ملَّها ومزَّق الصفحات.  قرنٌ كامل مرّ فوقها، ثم انطفأ بهدوء، كأن الكون نفسه لم يجد فيها ما يستحق أن يُحفظ.  عاشت هذه المئة عامًا مجردةً من كل شيء، مزدحمةً بكل شيء، وتبيّن في النهاية أن الفرق بين المجد والفراغ كان وهمًا واحدًا.  تزوجت وهي طفلة، بالكاد تعرف كيف تخاف من الظلام. ثم ترمّلت وهي شابة، فعرفت أن الظلام الحقيقي ليس غياب الضوء، بل اكتشاف أن لا أحد ينتظر في النهاية، وأن كل الأصوات التي تملأ البيت ستذوب في الصمت نفسه.  كدحت، وعملت، وتعبت، وربّت ثلاثة أطفال. كانت تظن أن العمر سيكبر بهم، وأنها ستنحني ببطءٍ بينما يقفون هم مستقيمين أمامها. لكن الحياة كانت تعيد ترتيب المشهد كل مرة بطريقة أكثر عبثًا وقسوة، كأنها تذكّرها أن لا شيء يبنى ليبقى.  رحلت الصغرى أولًا. شابة، قبل أن يثبت اسمها في ذاكرة العمر. سرطانٌ مبكر، أتى كحكمٍ لا تفسير له، لأن الكون لا يحتاج إلى تفسير ليأخذ ما يشاء.  ثم ابنها الوحيد. أكلت الغرغرينا أطرافه وهو حي، كأن الموت يملّ من السرعة في بعض الأحيان، فيمنح الإنسان وقتًا إضافيًا ليدرك عبثية الألم. مات في قريته في اليمن، بعيدًا عن كل شيء، كما لو أن الأرض كلها كانت مجرد مكان مؤقت للاختفاء.  ثم البنت الوسطى. خطفها الموت في لمحة بصر، وكأن الدور جاء عليها بلا سبب، لأن الأسباب في هذا العالم وهم آخر.  لم تكن هناك مقبرة واحدة تضمهم. الهند، والأردن، واليمن… ثلاث قبور متناثرة في كوكب لا يبالي. تفرّقوا في الأرض، وبقيت هي في منتصف الفراغ، تدرك أن الفراغ هو الحقيقة الوحيدة.  ومع ذلك لم ينتهِ الفقد. رحلت أخواتها، واحدة بعد أخرى، فسقطت مع كل واحدة قطعة من طفولتها، حتى صارت الذاكرة نفسها فارغة، كأن لا شيء كان يستحق أن يُحفظ أصلًا.  كبر أحفادها حولها. كانت تراهم يتكاثرون، وتضحك قليلًا ثم تتراجع، لأنها عرفت أن الحياة مجرد تكرار للعبة لا يفوز فيها أحد.  في آخر عمرها تغيّر صوتها. لم تعد تسأل عن أحد. كانت تقول لهم بهدوءٍ ثقيل، كأنها تتحدث من قاع الوجود نفسه: «لا تخبروني بموت أحد… خلاص، اكتفيت.»  لم تكن غضبًا، بل استسلامًا عميقًا لفكرة أن كل اسم جديد سيذوب في العدم، وأن القلب لم يعد يحتمل حتى وهم الحزن.  كانت تعيش ما تبقى من عمرها كمن ينتظر نهاية يعرف أنها قادمة، ولا يوجد فيها أي معنى، لا قبلها ولا بعدها. الأيام تمرّ، والوجوه تتبدل، وهي تنكمش أكثر داخل صمتها، تدرك أن كل ما عاشته كان مجرد تمرين على الغياب.  حتى أتمّت مئة عام. ثم، في ليلة هادئة، انطفأت. بلا ضجيج، بلا وصية، بلا دهشة. رحلت كما عاشت أخيرًا: بهدوءٍ ثقيل، كأنها أخيرًا فهمت أن كل شيء كان عبثًا.  كأن قرنًا كاملًا من الفقر، والتعب، والولادة، والموت، لم يكن سوى موجة صغيرة في بحر من العدم، ترك وراءه كرسيًا فارغًا، وامرأة عبرت الحياة كلها، ثم اختفت… كأنها لم تكن.  **وبقي الكرسي فارغًا.** وبقي العالم يدور، كأن شيئًا لم يحدث.]]></description>
		</item><item>
			<title>عودة للموت</title>
			<pubDate>Thu, 07 May 2026 14:05:34 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182513-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA</link>
			<description><![CDATA[عودة للموت   وُلدتُ في وطن لم أختره، لكن كان يجب عليَّ أن ألتزم بالانتماء له.  إنه وطنٌ ظالم، يُظلم فيه أهله، ويُظلم ترابه وهواؤه، حتى الانتماء إليه يتحوَّل إلى عبء ثقيل.  لماذا أظل هنا؟ هل أنا كائنٌ ثابت؟  أتوق للرحيل، لكن إلى أين يمكنني الذهاب؟ من الأليم ألا يقبلني أحد بسبب أصولي.  ومع ذلك، يجب أن أترك هذا المكان، حتى وإن كنت لا أرحل حقًا.  لن يكون هناك خروج، وإذا حدث، سيظل الحنين يلاحقني.  فكَّرتُ في مغادرتك، لكن لعنتك تلاحقني.  حتى عندما جهَّزت أمتعتي، تذكرت أن جواز سفري منتهٍ، بل إنه لا يوجد لديَّ جواز سفر.  وعندما تذكرت ذلك، أخبروني أنني بحاجة إلى إثبات هوية.  وهذا أمر مخجل، فليس لدي هوية.  لماذا تحتاج الهوية؟  هل حقًا أمتلك هوية؟  ذهبت لأستخرج واحدة، وطلب المسؤول شهادة من العمدة.  قلت له: «ألا تعرفني؟».  ردَّ: «نعم، أعرفك، لكن يجب أن تكون لديك شهادة من العمدة. حتى لو كنت راحلًا، ستظل مسجَّلًا في هذا البلد».  طلب رشوة ليكتب الشهادة ويختمها.  حتى وإن حاولت الهروب، ستدفع الثمن.  لكن المسؤول نفسه رفض مرة أخرى، وطلب شهادة ميلاد.  لا أملك شهادة ميلاد.  من قال لكم إنني وُلدت؟  عدنا إلى العمدة ليكتب شهادة الميلاد.  قال لي: «ما اسمك؟».  أجبته: «لا أعرف. يقول الناس إنني اسمي سعيد، لكنهم كاذبون. لم أعرف السعادة في حياتي، والصحيح أنه لم تكن لديَّ حياة لأكون سعيدًا فيها».  سألني: «كم عمرك؟».  قلت: «لا أدري. تقول جدتي إنني وُلدت في السنة التي اجتاح فيها مرض بلادنا، ومات ناس كثيرون، وكِدت أموت حينها، ربما كنت قد متُّ في تلك اللحظة».  سأل العمدة رجلًا بجانبه: «متى ظهر ذلك المرض؟».  أجاب: «لا أدري، لكن أعتقد أنه جاء بعد عودة الحاج يحيى من الحج».  قال العمدة: «صحيح. ولكن في أي عام عاد الحاج يحيى؟».  ردَّ: «لا نعلم».  قلت إنني وُلدت في عام 1947.  رد العمدة: «كان ذلك منذ زمن بعيد».  ضحكت، لأنني رميت رقمًا عشوائيًا هكذا لأتخلص من تاريخ هذا الوطن المريض.  في هذه اللحظة، شعرت أنني مجرد كائن عابر، أبحث عن مخرج من تاريخ يلاحقني.  قال العمدة: «عليك أن تدفع ثمن الختم، يا بني. أنت ستغادر، ولن يراك أحد، ادفع الآن ثمن خروجك، وانتبه، إذا عدت، ستكون ملعونًا».  دفعت. وحصلت على شهادة ميلاد بلا ولادة، وإثبات هوية بلا هوية، وجواز سفر بلا سفر.  ---  وقفتُ أسأل نفسي: أين سأذهب؟  لا أعلم.  أريد وطنًا غير هذا.  الأهم أن يقبل هذا الجواز التعيس، مثل صاحبه، بلا تأشيرة.  لكن السؤال يبقى: هل يمكن للهروب من الماضي أن يكون بداية جديدة؟  قال شخص بجانبي:  «إلى البحر، يا صديقي. هناك سنجد بلدًا آخر يقبلنا. حتى وإن كنا نكنس شوارعها، سيكون ذلك دليلًا على وجودنا».  في البحر، تتلاطم الأمواج فيما بينها.  تارة نرى الموت، وأخرى نرى الحياة.  في تلك اللحظات، كانت الأمواج تتحدث بلغة غامضة، تتسابق مع أفكاري وتدفعني إلى أعماق جديدة.  بصراحة، لم أعد أهتم بالموت والحياة، فالأمر سيَّان.  فقد تركت تلك البلاد التي سيكون موتي فيها فاجعة.  التفتُّ إلى الركاب حولي، فكنت أرى عيونهم محملة بالذكريات والآلام.  أحدهم، رجل مسن ذو لحية بيضاء، همس لي:  «كلنا نبحث عن مرفأ، لكننا نبحر في بحر مجهول».  كلماته كانت كأصداء الماضي، تظهر أحلامًا ضائعة.  تظهر يابسة في الأفق، لكننا لا نعلم إلى أين.  لم أسأل أي شخص من الركاب.  ابتسم صديقي، في حين بقيتُ عابسًا.  كانت تلك الابتسامة مزيجًا من الأمل واليأس، وكأنها تظهر ما يجول في داخلي.  عندما نزلت، اختفيت عن أنظار من كانوا معي.  ذهبت بعيدًا، ثم ركبت مع قافلة من الجمال إلى مكان آخر، هاربًا من كل من يذكرني بتلك البلاد التي غادرتها.  استقررت في مدينة لا تشبهني، لكني شعرت بالسعادة فيها.  كانت المدينة تشبه حلمًا بعيدًا، حيث لا أحد يعرفني، ولا أعرف أحدًا.  حتى لو متُّ، سيكون موتي جميلًا.  ---  عملت سنوات طويلة، ولم تكن تلك السنون سهلة، بل حملت آثارًا ومصاعب وتحديات.  لكن كانت هناك متعة لا توصف.  تلك السنوات كانت مليئة بالصراعات.  كل يوم كان معركة جديدة، لكن في خضم كل ذلك، وجدت نفسي.  أحيانًا كنت أسترجع ذكرياتي،  أشعر بالحنين إلى ماضٍ لم يعطني شيئًا سوى الألم.  لكن في تلك المدينة الجديدة، كان النجاح بانتظاري.  كنت أعمل بجد، وكأنني أحاول بناء جسور من الأمل في بحر من اليأس.  ---  وبعد 64 عامًا من الغياب، عدت.  عدت بعد 64 عامًا، ولم يتغير شيء،  سوى أن العمدة والأجيال قبله وبعده قد رحلوا،  لكن الوضع المزري الذي هربت منه لا يزال كما هو.  لا تزال الناس تعاني،  لا تزال الذكريات تسود كل شيء.  هربت وأنا مراهق في الثالثة عشرة من عمري،  وأعود اليوم بعد 64 عامًا،  حيث بلغت السابعة والسبعين.  إنها عودة للموت.]]></description>
		</item><item>
			<title>١٢ مليون دقيقة</title>
			<pubDate>Mon, 04 May 2026 04:41:30 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/exp/182406-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%AF%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9</link>
			<description><![CDATA[١٢ مليون دقيقة  ​منذ منتصف عام ٢٠٠٢، وعقارب الساعة لا تدور في معصمي، بل تدور في رأسي.. تنهش ما تبقى من سكينتي بانتظام مريض. كنتُ مراهقاً حين بدأ العداد، وسرعان ما أدركت الفخ اللعين: في العمل، أنت ترهن دقائقك لغيرك فتتمنى لو أنها ترحل وتذوب، وخارج العمل، ترهنها لنفسك فتتوسل إليها لكي تتمدد وتتثاءب. وبين هذا وذاك، اكتشفتُ أن الزمن ليس محايداً، بل هو سجّان يعرف متى يركض ومتى يتوقف ليخنقك.  ​اليوم، وأنا أقف على مشارف الأربعين، لا أسترجع سنواتي كأعوام، بل كـ ١٢ مليون دقيقة. رقم هائل، أليس كذلك؟ لكنه رقم مخادع كسراب. أنا لا أتذكر من هذا الأرشيف الضخم انتصاراتي التي يصفق لها الناس، بل أتذكر &quot;الثقوب&quot; الصغيرة؛ تلك الدعوة المرفوضة لكوب شاي، ذلك الطلب التافه الذي سألته وقوبل بالصد ليدمي كبريائي. أدركتُ متأخراً أن الحياة لا تُبنى من المعارك الكبرى، بل من تلك الدقائق المهدرة التي رفضنا أن نعيشها. يأتيني السؤال الوجودي الحارق: هل نجحتُ فعلاً؟ أم أن نجاحي هو فشلٌ مُغلّف في نظر شخص آخر؟ وهل إخفاقاتي كانت هزائم، أم انتصارات لم يفهمها أحد سواي؟ لا يهم. الأهم هو ما يخبرني به هذا النبض اللاهث: أنني لا أملك يقين الناجح ولا عزاء الفاشل، أنا فقط رجلٌ استنزفه &quot;العدّ&quot;.  ​لقد اكتشفتُ قانوناً فيزيائياً مرعباً لكتلة الألم: الدقيقة الجيدة &quot;ريشة&quot;، عديمة الكتلة، تتبخر في لحظتها ولا تترك أثراً يحمينا من هجير القادم. أما الدقيقة السيئة فهي &quot;رصاصة&quot; تملك جاذبية عملاقة؛ إنها لا تمر، بل تسحب خلفها رهائن من مستقبلنا. تأملوا &quot;ثانية الاصطدام&quot; في حادث سير؛ غلطة واحدة في دقيقة واحدة، لكن هذه الدقيقة الواحدة لا ترحل؛ إنها تلدُ آلاف الدقائق المشوهة بداخلها. تأسر خلفها ساعات من الانتظار المرير، وأياماً من التسكع في ورش التصليح، ودهوراً من البحث عن قطعة غيار، وأسبوعاً كاملاً من رائحة الصيدليات وانتظار الأطباء. دقيقة واحدة &quot;سيئة&quot; قررت أن تسرق الآلف الدقائق من عمرك القادم كضريبة على هفوتك.  ​لماذا نعدُّ الدقائق؟ ربما لأننا ندرك أن ساعة العمر ستتوقف حتماً. لكن حتى قرار الاستمتاع يبدو ساذجاً؛ فكيف تستمتع ومنغصات الحياة تتربص بدقائقك الممتعة لتقلصها؟ أنا لا أعدُّ الدقائق لأعرف كم عشت.. أنا أعدُّها لأعرف كم سُرق مني، ولأنتظر اللحظة التي يتوقف فيها هذا العقرب الملعون عن ملاحقة روحٍ أنهكتها الأرقام.  ​]]></description>
		</item><item>
			<title>ثلاثون عاماً من الغياب</title>
			<pubDate>Thu, 30 Apr 2026 23:59:45 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182300-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%88%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8</link>
			<description><![CDATA[ثلاثون عاماً من الغياب  ​أكتبُ إليكِ الآن وأنا أدخل عامي التاسع والثلاثين؛ ثلاثون عاماً مرّت منذ رحيلكِ، ولم أسمع خلالها صوتكِ مرة واحدة. يبدو الرقم كبيراً، لكنه لا يساوي شيئاً أمام فراغٍ استقرّ في مكانكِ ولم يتحرك، كأن الزمن في غيابكِ فقد قدرته على المداواة.  ​هذه أول مرة أكتبُ لكِ فيها. لا أعرف إن كانت الرسائل تصل إلى من رحلوا، أم أننا نكتبُ فقط لنخفف ضجيج الذكريات عندما تضيق بنا الروح. كنتُ صغيراً حين مرضتِ، لكني أراكِ حتى الآن بوضوحٍ لا يليق بطفل؛ أراكِ تبكين وتتألمين، بينما نحن صغارٌ نتحرك حولكِ بلا قدرة على الفهم أو الإنقاذ. كان حضورنا آنذاك مجرد شهودٍ على تراجعٍ بطيء وقاسٍ لا يمكن إيقافه.  ​رحلتِ… ولم يحدث شيء للعالم.  لم يتوقف الكون، ولم يتغير شيء في ترتيب الحياة؛ كأن غيابكِ كان تفصيلاً يمكن تجاوزه بسرعة فائقة. وهذه كانت الصدمة الأولى: أن الموت لا يترك أثراً كافياً ليبرر فداحة الفقد.  ​بعدكِ بفترة قصيرة، استُبدلت الأدوار بسرعة. تزوج مَن كان يُفترض أن يبقى حارساً لذكراكِ، وتفرّقنا نحن كأشياء تبحث عن مكانٍ مؤقت. كبرنا في بيوتٍ لا تشبهنا، ننتقل من رعايةٍ إلى أخرى دون أن نشعر أن أحداً يعرفنا حقاً. كنا نكبر، لكن الطفولة لم تنتهِ؛ بل تشققت فقط لتخرج منها مخاوف أكبر.  ​تعلمتُ مبكراً أن لا أحد يعوّض أحداً، نحن فقط نتعايش مع الفراغ؛ نغطيه بالأيام، بالعمل، وبالانشغال، لكنه يبقى هناك، ينتظر لحظات التعب ليطلّ برأسه من جديد. كبرتُ، وصرتُ أعمل، ثم وجدتُ نفسي واقفاً في الجهة الأخرى من الحياة؛ أساعد من كان يُفترض أن يسندني. تبادلٌ هادئ للأعباء يحدث دون إعلان، حتى تجد نفسك تحمل ما لم تكن مستعداً له.  ​خُطبتُ مرة، وكأن الحياة تحاول أن تفتح لي نافذة صغيرة، لكنها أغلقتها سريعاً؛ رحلت هي الأخرى قبل أن تبدأ الحكاية، ففهمتُ أن &quot;النجاة المشتركة&quot; ليست خياراً متاحاً دائماً في رحلتي. ثم تزوجتُ بعد سنوات، لا أتذكر التواريخ تحديداً؛ فالتواريخ تفقد قيمتها حين تتشابه الأيام في رتابتها.  ​أنجبتُ طفلة، وأعطيتها اسمكِ.. لم يكن ذلك وفاءً فحسب، بل محاولة خفية لإبقائكِ في هذا العالم. صار الناس ينادونني باسمها، وكأنني استعرتُ منكِ حضوراً صغيراً أواجه به جفاء الآخرين. ثم جاءت ابنتي الأخرى، قوية، عنيدة، ترفض أن تبقى في ظل أختها، وكأنها تدافع بطريقتها عن حقها في أن تُرى، وتذكرني بأن الحياة لا تتوقف عن ضخ القوة في عروقنا مهما انكسرنا.  ​مرت السنوات؛ عملٌ، بيت، مسؤوليات، ولحظات راحة قصيرة يتلوها تعبٌ ممتد. لا شيء عظيم حدث، فقط حياة تمضي بثقلٍ عادي. حاولتُ أن أجعل من حولي أقوى مما كنا عليه، كأنني أصلح متأخراً ما لا يمكن إصلاحه. لا أريد أن تتكرر الهشاشة، ولا أن يرث أحدٌ هذا الارتباك الذي بدأ منذ ذلك المساء الذي رحلتِ فيه.  ​قبل فترة حلمتُ بكِ؛ كنتِ جالسة بهدوء، مبتسمة، كما لو أنكِ نجوتِ من كل هذا العناء مبكراً. كانت ابتسامتكِ واضحة، قريبة، وحقيقية أكثر من أي ذكرى. استيقظتُ، ولم أجد شيئاً، وفهمتُ أن الحلم ليس رسالة، بل هو هدنة قصيرة تمنحها الذاكرة للغائبين؛ دقائق فقط يصبح فيها الغياب أقل قسوة، ثم يعود كل شيء إلى مكانه.  ​أنتِ هناك… ونحن هنا…  والحياة مستمرة، لا لأنها مفهومة، بل لأنها ببساطة لا تعرف كيف تتوقف.]]></description>
		</item><item>
			<title>غانم الدرويش: حين يكون الجنون مرآة لعقولنا</title>
			<pubDate>Thu, 30 Apr 2026 23:57:40 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182299-%D8%BA%D8%A7%D9%86%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%B4-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%B1%D8%A2%D8%A9-%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D9%84%D9%86%D8%A7</link>
			<description><![CDATA[غانم الدرويش: حين يكون الجنون مرآة لعقولنا  في كل سوقٍ شعبي، وفي أطراف المدن المنسية، تظهر شخصية تكسر رتابة الحياة بيقينها الغريب. نسميهم &quot;المجاذيب&quot; أو &quot;الدراويش&quot;، ونمرّ بهم كعابرين، دون أن نتوقف طويلًا عند السؤال الأهم: هل هم المجانين حقًا، أم أنهم فقط اختاروا عقلًا لا يشبه عقولنا؟  كان الحاج غانم، كما يُعرف بين الناس، واحدًا من هؤلاء. لا أحد يعرف اسمه الكامل، ولا من أين جاء، ولا كيف بدأ يعيش بهذه الطريقة. كل ما نعرفه أنه رجلٌ يمشي بخطى هادئة، يحمل عصاه، ويبدو كأنه خارج من زمنٍ آخر. مع الوقت، صار لقب &quot;الدرويش&quot; اسمه الحقيقي، وصارت غرابته هويته الوحيدة.  فلسفة العراء  يمرّ بالسوق وقت الصلاة، متجهًا إلى الوادي ليصلي وحده. لا يدخل المسجد إلا يوم الجمعة، وحتى حينها يختار الملحق المكشوف. كان يقول إن السقوف تحجب الإنسان عن صفائه، وإن الصلاة في العراء تجعل القلب أخفّ.  ينام على سطح بيته للسبب نفسه. يرى أن مواجهة السماء الطويلة تُعيد ترتيب الخوف داخل الإنسان. لم يكن يشرح كثيرًا، بل يكتفي بعبارات قصيرة يرددها وهو يمشي:  &quot;السعيد من عاش اليوم، والتعيس من فكّر كيف سيعيش غدًا.&quot;  ثم يضيف بعد صمت: &quot;الغد ليس وعدًا… بل حفرة لمن حلم.&quot;  كان بعضهم يبتسم، وآخرون يهزون رؤوسهم شفقة. أما هو فكان يضرب الأرض بعصاه، ينظر إليها طويلًا، ثم يقول: &quot;أضرب الأرض لتضحك… تعرف أن ضحكها قبري.&quot;  حوار خارج حدود العقل  في أحد الأيام، صلّى معه بعض المارة في الوادي. بعد الصلاة سأل أحدهم: &quot;هل هو عاقل؟ هل تجوز الصلاة خلف مجنون؟&quot;  ابتسم غانم قبل أن يجيبه: &quot;بلى… أنا مجنون.&quot;  ضحكنا، فتابع: &quot;اسألوا الناس عني. سيقولون مجنون. تكفي شهادتهم.&quot;  ثم ضرب الأرض بعصاه وقال: &quot;القلب يصرخ داخلنا… والناس يسمعون ضحكنا.&quot;  كان يتحدث بثقة رجل لا يحاول إقناع أحد، بل يكتفي بأن يقول ما يراه. وحين سألته مرة عن سر ضحكه، قال بهدوء: &quot;أنا أعيش موتي كل يوم… لكن الناس يسمونه جنونًا.&quot;  حين تضحك الأرض  في ليلةٍ متأخرة رأيته واقفًا على سطح بيته، يحدّق في السماء. سألني دون أن يلتفت: &quot;هل سمعت ضحك الأرض؟&quot;  قلت: &quot;أسمعها تبكي الليلة.&quot;  ضرب الأرض بعصاه ببطء وقال: &quot;النجوم تبكي لأن الضوء لم يعد يكفي لحياة أي شيء.&quot;  ثم صمت قليلًا وأضاف: &quot;الحياة حلم… والموت صحوة بلا وجه.&quot;  ظل ينظر طويلًا، كأنه يرى ما لا نراه. في الصباح مرّ بالسوق كعادته، لكنه كان أكثر صمتًا. لم يغنِ، ولم يضرب الأرض بعصاه. بدا كأنه سلّم أفكاره للريح ومضى.  منذ ذلك اليوم، لم أعد متأكدًا إن كان مجنونًا فعلًا، أم أن الجنون مجرد اسم نمنحه لمن يرون العالم دون الزينة التي نضعها فوقه. ربما لم تكن الأرض تضحك كما كان يقول، لكن شيئًا ما في صوته كان يجعل الفكرة ممكنة.  ومنذ ذلك الحين، كلما سمعت ضحكة عالية في مكانٍ هادئ، أتساءل:  هل تضحك الأرض فعلًا… أم أننا نحاول فقط ألا نسمع بكاءها؟]]></description>
		</item><item>
			<title>الرد الاول نشيد الخلاص من جحيم الانتماء</title>
			<pubDate>Wed, 29 Apr 2026 19:36:51 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182268-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%84-%D9%86%D8%B4%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5-%D9%85%D9%86-%D8%AC%D8%AD%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%A1</link>
			<description><![CDATA[الرد الاول نشيد الخلاص من جحيم الانتماء ​يا صديقي.. ​لقد حملت رسالتك إليّ نبأ موت القطة، وكان وقعه على نفسي أشدَّ حزنًا وأعمق أثرًا من هجرتي ذاتها، ومن تلك البلاد التي لا تزال أنت تتشبث بأطلالها. لا أعلم حقاً ما الذي يغريك بالبقاء في أرضٍ لم تعد صالحةً لتربية الأمل؟ لقد دعوتك مراراً لنقطع حبل الوريد الذي يربطنا بها، لكنك آثرتَ البقاء في الظل. ​صدقتَ حين قلتَ إنها انتحرت؛ فتلك القطة الرقيقة كانت تملك غريزةً أنقى من &quot;قطيع&quot; البشر الذين لم يلحظوا غيابي. انتحرت لأنها فقدت المعنى، فماذا يفعل كائنٌ حيّ وسط اللاشيء الذي تسكنه أنت وأمثالك؟ ​أخبرك يا صديقي، أنني حين أقلعت بي الطائرة، وشعرتُ بجسدها الحديدي يشقُّ عباب السماء فوق تلك الأرض، غمرتني سعادةٌ وحشية. في تلك اللحظة، لم يعد يعنيني شيء سوى أنني أفلتُّ من قبضة الجحيم. ألا ترى وجوه الناس هناك؟ وجوهٌ تفيض حقداً وحسداً، كأنما قُدِّرت لتمتصَّ رحيق الفرح من عروق الآخرين. هناك، لا يُسمح لك بأن تكون فقيراً وسعيداً؛ فإما أن تكون غنيا يتملقونك ، أو تتهيأ لتلقي طعنات نميمتهم وانتقادهم الذي لا يشبع. ​لو لم يكن في هذه الغربة من فضيلةٍ سوى أنها باعدت بيني وبين تلك الوجوه الكالحة، لكان ذلك كافياً ليعيد صياغة وجودي من جديد. ​أتدري؟ يومي الأول هنا كان بمثابة ولادةٍ ثانية. كل شيءٍ حولي يضجُّ بالحياة: وجوهٌ غريبة لا تحمل لي ضغينة، كلماتٌ لم تلوثها الخيبات، وحتى الملابس هنا لها ذوقٌ يوحي بالحرية. أما الموسيقى.. آه يا صديقي، لا تحدثني عن جمال بلادك ولا عن ألحانها، فما أسمعه الآن من ترانيم يكسر رتابة الصمت الذي عشته هناك لسنوات. ربما هو حكمٌ مسبق، أو نشوة البدايات، لكنني أشعرُ لأول مرة بأنني أتنفسُ حقاً. ​أخبرني يا صديقي.. إذا داعبتْ مخيلتك يوماً فكرة الهرب، فستجدني هنا بانتظارك. أما أنا، فليس في قلبي ذرة اشتياقٍ للعودة. لا أريد أخبار البلاد، ولكن اكتب لي.. اكتب لي لأشفق عليك قليلاً، ولأتشفى في هذا البؤس الذي اخترته لنفسك طواعية. ​كن بخير.. في جحيمك الهادئ.]]></description>
		</item><item>
			<title>الرسالة الأولى: جثة القطة.. وثقب الغياب</title>
			<pubDate>Wed, 29 Apr 2026 19:34:49 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/2SS_2SERA/182267-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%AC%D8%AB%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D9%88%D8%AB%D9%82%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8</link>
			<description><![CDATA[مرحباً يا صديقي  ترددتُ كثيراً قبل أن أخطَّ لك هذه الكلمات، ليس لشيء، إلا لأنني لم أعد أعرف في أي أرضٍ ضربت جذورك، وأين استقر بك الترحال في هذا العالم الشاسع. هذه هي المرة الأولى التي أطاردك فيها برسالة، ولا أدري حقاً من أين أبدأ؛ هل أحملك أوجاع هذه البلاد وأخبارها؟ أم أنك لفظت ذكراها من مخيلتك منذ اللحظة التي عبرت فيها حدودها، ولم تعد تطيق حتى سماع اسمها؟ ربما سيكون من الأفضل أن أحدثك عن &quot;أتفه&quot; الأشياء، رغم أنني بتُّ أشك في وجود تفاهةٍ حقيقية في عالمٍ يبتلعنا ببرود. هل تذكر تلك القطة؟ تلك الكائنة الهشة المبقعة بسوادٍ وبياض، التي كنت تقاسمها بقايا عمرك لا بقايا أكلك فحسب؟ لقد انتهت اليوم تحت عجلات سيارةٍ مسرعة في آخر الشارع. كان مشهداً عابراً لدرجةٍ مخيفة؛ ارتطامٌ مكتوم، صرخةٌ لم يسمعها أحد، ثم صمتٌ طويل يمتد بطول الرصيف. حين وقفتُ فوق رأسها، لم أرَ جثةً فحسب، بل رأيتُ في عينيها الزجاجيتين المنطفئتين خلاصة رحيلك. سألتُ نفسي: هل يعزي المرءُ صديقاً في قطة؟ أم أعزيك في &quot;المعنى&quot; الذي انقطع بموتها؟ لقد خُيّل إليّ يا صديقي أنها لم تُدهس صدفة، بل مارست طقساً انتحارياً بارعاً. لقد أدركتْ بغريزتها العدمية أن غيابك ليس سفراً مؤقتاً، بل هو &quot;ثقبٌ&quot; في نسيج أيامها لن يملأه أحد، فاختارت أن تتحول إلى بقعة دمٍ باهتة على الأسفلت بدلاً من أن تظل شاهدةً على فراغ مكانك. المفارقة المؤلمة، يا صديقي، أن العالم واصل دورانه غير آبهٍ بما حدث. أما الدهماء هنا، فما زالوا يتوهمون وجودك في غرفتك، يعبرون ظلك يومياً دون أن يدركوا غيابك. إنه أمرٌ يثير الضحك الأسود؛ أن يتساوى حضورك وغيابك في موازين هؤلاء البشر، وكأننا جميعاً مجرد أرقامٍ في معادلةٍ صفرية لا ناتج لها. وحده &quot;أنا&quot; من يقتات على غيابك، ربما لأنني كنت الشاهد الأخير، والرجل الذي لوّح لك في المطار قبل أن تبتلعك الطائرة. لم يكن انتباهي لرحيلك مجهوداً ذهنياً مني، بل كان قدراً واجهته وحدي؛ أن أبقى هنا حارساً للمقبرة، وشاهداً وفياً على رحيلك، وموت القطة، وكل الأشياء التي ستغادرنا تباعاً. أخبرني الآن، في بلادك البعيدة.. ماذا رأيت هناك؟ وأين تضع قدمك الآن؟ هل وجدت هناك &quot;وجوداً&quot; حقيقياً؟ أم أنك اكتشفت أن الغربة ليست سوى تبديلٍ لعدمٍ بآخر؟ لا تنسَ أن تكتب لي رسالتك الأولى، فقط لأعرف أنك لا زلت، بطريقةٍ ما، على قيد الحياة]]></description>
		</item>
	</channel>
</rss>
