<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0">
	<channel>
		<title>حسوب I/O - مساهمات المستخدم EmadAlShwehdi</title>
		<description>المساهمات التي أرسلها EmadAlShwehdi - حسوب I/O</description>
		<language>ar</language>
		<generator>حسوب I/O</generator>
		<item>
			<title>فِي سُوقِ اللَّبَن</title>
			<pubDate>Sun, 14 Jun 2026 16:24:56 +0000</pubDate>
			<link>https://io.hsoub.com/freelancing/183846-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86</link>
			<description><![CDATA[ورث رجلٌ من أهل الفاقة عن أبيه أرضًا صغيرةً وثورًا وبقرةً وعجلًا، غير أن الأب خلّف وراءه دَينًا استغرق أكثر ما ترك. فباع الابن الأرض لقضاء الدين، ثم أتبعها بالثور لينفق ثمنه في العزاء وما يلحق بالموت من مؤونة، حتى لم يبقَ في يده إلا البقرة وعجلها. فلما انقضت أيام المصيبة، جلس ذات ليلة إلى امرأته في بيتٍ ضيّق، والسراج بينهما يرسل ضوءًا واهيًا على الجدران، فقال وهو مطرقٌ يفرك كفّيه: — لقد ضاقت بنا الدنيا حتى ما أدري ما أصنع بهذه البقرة؛ فلا أرضَ عندنا لتحرثها، ولا مرعى نرسلها فيه، وإن بعتها أكلنا ثمنها أشهرًا يسيرة، ثم عدنا إلى الفاقة من جديد.  ثم نظر إلى العجل نظرةَ من ضاقت به الحيلة، وقال: — وهذا العجل لا يكاد ثمنه يكفينا نفقةَ أيامٍ معدودات.  فسكتت امرأته هنيهة، ثم قالت في رفق: — احلب البقرة، وخذ اللبن إلى السوق، فلعلّ الله يجعل لنا فيه رزقًا . فأخذ بقولها، وصار يخرج كل صباح بقربة اللبن إلى السوق. وكان إذا دخل السوق التمس موضعًا يجلس فيه، فلا يكاد يضع قربته حتى يزجره أحد الباعة قائلًا: — تنحَّ عن هذا الموضع، فهو مكاننا منذ سنين.  فيحمل قربته وينتقل إلى غيره، فيقوم إليه آخر بوجهٍ عابس ولسانٍ غليظ، حتى اضطر آخر الأمر أن يجلس في ناحيةٍ من السوق، والبائعون من حوله يرمقونه بنظرات الضيق والكراهية، كأنهم يخشون أن يقتطع من أرزاقهم شيئًا. ثم أخذ يتأمل الباعة من حوله، فرأى هذا يخلط اللبن بالماء البارد حتى يرقّ قوامه ويكثر، ورأى آخر ينزع عنه وجه الزبد والسمن ثم يبيعه على أنه لبنٌ كامل، ورأى ثالثًا قد ترك اللبن يبيت حتى يحمض بعضه، ثم مزجه بالجديد ليخفي تغيّر طعمه، والناس مع ذلك يتهافتون على ما عندهم، والأيدي تتزاحم على أوعيتهم. أما هو، فكان الرجل يذوق لبنه، ثم يقطّب وجهه ويعرض عنه مشمئزًّا، كأنما ذاق شيئًا فاسدًا. فكان يعود عند المساء بقربته كما خرج بها صباحًا، لم ينقص منها إلا القليل. فإذا دخل بيته، نظرت إليه امرأته فعرفت الخبر من عينيه قبل كلامه، فيجلس صامتًا كأن الوهن قد انصبّ على كتفيه دفعةً واحدة، ثم يقول: — ما بعت اليوم شيئًا. فيشربون من اللبن ما يسدّ جوعهم، ثم يبعثون ببعضه إلى الجيران مخافة أن يفسد، حتى ضاقت نفس الرجل، وصار يخرج إلى السوق كل صباح، كأنما يمضي إلى خيبةٍ يعرفها قبل أن يلقاها. ومضت به الأيام على تلك الحال، حتى أقبل على السوق شيخٌ كبير، قد أحدب العمر ظهره، وخطّ الشيب رأسه ولحيته، وفي وجهه سكينةُ من عركته الأيام طويلًا. فأخذ ينتقل بين الباعة، فيتناول من هذا قدحًا، ومن ذاك جرعة، فما إن يذوق اللبن حتى يقطّب وجهه في ضيق، ويبصق ما في فمه، ثم يهزّ رأسه ويمضي، والباعة من خلفه يرمقونه بوجوهٍ متجهمة وهمهماتٍ متذمّرة. وكان الرجل يرقبه من بعيد في عجب، حتى انتهى الشيخ إليه، فجلس متكئًا على عصاه، ثم تناول قدحًا من لبنه ورفعه إلى فيه في تؤدة، والرجل يرقب وجهه في قلقٍ صامت، كأنما يترقّب منه حكمًا. فلما ذاقه سكن قليلًا، ثم أغمض عينيه كأنما رجعت به الذكرى إلى زمن بعيد، وأخذ يتمهّل في شربه كمن يخشى أن ينفد سريعًا، ثم قال بصوتٍ خافتٍ ملأته الدهشة. — الله… ما أطيب هذا اللبن! والله ما ذقت مثل هذا الطعم منذ سنين طويلة. فنظر إليه الرجل كالمبهوت، ثم دنا منه وقال: — يا عمّ، لقد حيّرني أمري؛ فما من رجلٍ يذوق هذا اللبن إلا أعرض عنه، وأنت تكاد لا تصدّق ما وجدت فيه من الطيب، فما السرّ في ذلك؟ فضحك الشيخ ضحكةً خفيفة، ومسح ما تبقّى من اللبن بلسانه في تؤدة، كأنما يخشى أن تضيع منه قطرة، ثم أشار بكفٍّ معروقةٍ كأخاديد شجرةٍ معمّرة إلى الناس وهم يتدافعون على أوعية لبن الباعة المغشوش من حوله، ثم قال بصوتٍ عميق: — يا بُنيّ، إن الحلال الطيب لا يوفَّق إليه كلُّ أحد. وأكثر الناس اليوم قد خالط الحرام أموالهم، فإذا ذاقوا الطيب نفروا منه من حيث لا يشعرون. فسكت الرجل، وأخذ ينظر إلى الوجوه العابرة في السوق، وإلى الأيدي الممتدة نحو اللبن المخلوط بالماء، كأنما انكشف له أمرٌ لم يكن يراه من قبل. ثم ناول الشيخُ القدحَ إلى الرجل، ثم نهض متكئًا على عصاه، وقال وهو يبتسم: — سأعود إليك غدًا، فمثلك لا ينبغي أن يكسد لبنه في السوق. وسأدلّ عليك من بقيت في أفواههم بقيةُ ذائقةٍ لم يفسدها الحرام. ثم مضى الشيخ بين الناس على مهل، وبقي الرجل جالسًا مكانه طويلًا، يتأمل السوق والوجوه كأنما يراها لأول مرة. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد ينظر إلى الناس كما كان يفعل من قبل؛ فقد صار يرى في اختيارهم للبن أثرَ ما تخفيه نفوسهم. ليست كلُّ النفوس قادرةً على تذوّق الطيّب؛ فمَن طال اعتيادُه للخبيث، نفر من النقاء وإن وُضع بين يديه. بعضُ الأذواق لا يفسدها الفقر… بل ما يختلط بالروح من فساد.  ✍🏻 عماد الشويهدي]]></description>
		</item>
	</channel>
</rss>
