في فيديو انتشر مؤخرًا على تيك توك لمعلّمة أمريكية تُدرّس طلاب المرحلة الثانوية، ظهرت وهي تودّع مهنتها بعد سنوات طويلة من التدريس بسبب ان الطلاب لم يعودوا مهتمين على حد تعبيرها، لا يريدون القراءة، لا يريدون التعلم. لديهم ذكاء اصطناعي يقرأ ويكتب ويفكّر عنهم ولديهم العديد من المشتتات التي تجعل الدراسة اخر اهتماماتهم.
كلماتها أثارت عاصفة من النقاش، وطرحت أسئلة موجعة عما إذا كان الجيل الجديد بدأ يفقد المهارات الأساسية بسبب التكنولوجيا أم أن الجيل القديم من المعلّمين لم يعد قادرًا على التعامل مع جيل رقمي نشأ في عالم مختلف تمامًا
من جهة، من السهل إلقاء اللوم على الأدوات الذكية. طلاب اليوم لا يضطرون إلى القراءة لفهم نص، أو حتى الكتابة لتلخيص فكرة. هناك تطبيقات تفعل كل ذلك بضغطة زر. وفي هذا الواقع، يبدو التعليم التقليدي مملًا وبلا جدوى من وجهة نظرهم.
لكن من جهة أخرى، هناك خلل في المنظومة التعليمية نفسها. فالمعلم الذي لا يُجيد التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، أو لا يحاول استخدام التكنولوجيا لجذب اهتمام الطلاب بدلًا من محاربتها، قد يكون أيضًا جزءًا من المشكلة. التكنولوجيا ليست عدوًا للتعليم، بل قد تكون طوق النجاة له إن استُخدمت بشكلٍ واعٍ وفعّال.
فهل التكنولوجيا أصبحت في صراع مع التعليم وتفقد الطلاب مهاراتهم فعلا؟ أم أن المعلمين في حاجة إلى التكيف مع الوضع الحالي واستغلاله لصالح العملية التعليمية ؟
التعليقات
أظن أن المشكلة هي معاملة الأدوات الذكية وكأنها أكثر من ذلك.
بالنسبة لي، الأدوات الذكية تشبه الآلة الحاسبة قديمًا؛ فهي وسيلة للمساعدة، ولكن ليست بديلاً عن التعلم.
بالإضافة إلى أن تجربة هذه الأدوات تختلف كثيرًا جدًا عندما يكون الشخص لديه علم كافٍ.
أي شخص يستعمل مثلًا "شات جي بي تي"، سيلاحظ بسهولة الفرق بين المعلومات التي يحصل عليها في موضوع لديه علم كافٍ به، وبين موضوع يجهله تمامًا.
على سبيل المثال: إذا استعمل طبيب الأدوات الذكية، فيستطيع تحقيق نتائج أفضل بكثير من شخص عادي ليس بطبيب، يستعمل نفس الأدوات لدي الطبيب.
طلاب اليوم لا يضطرون إلى القراءة لفهم نص، أو حتى الكتابة لتلخيص فكرة. هناك تطبيقات تفعل كل ذلك بضغطة زر. وفي هذا الواقع، يبدو التعليم التقليدي مملًا وبلا جدوى من وجهة نظرهم.
عندما كنت طالبًا في الجامعة، لم يكن الذكاء الاصطناعي قد ظهر بعد، فكنا نذاكر — أنا وبعض الطلاب فقط — من الكتب الدراسية، ونقوم بعمل ملخصات للمراجعة فقط.
لكن غالبية الزملاء كانوا يسخرون عندما يعرفون طريقتنا في المذاكرة، لأنه كان الشائع في الكليات الأدبية أن يشتري الطلاب الملخصات من المكتبات ويكتفون دون الرجوع إلى الكتاب.
والنتيجة كانت أن تقديرات من يذاكر من الكتب مرتفعة دائمًا، وعلى النقيض، من كان يلتزم بملخصات المكتبات كان يرسب أو ينجح بتقدير منخفض، بدون أى استثناءات ،وكانوا يلومون الدكاترة بأن الامتحانات صعبة، والأسئلة من خارج المنهج
أظن أنه يمكن استعمال الذكاء الاصطناعي لصناعة خرائط ذهنية أو أسئلة للمساعدة على الفهم والتدريب، ولكن تلخيص كل شيء لن يجعل الطالب يفهم المعلومة أو يحتفظ بها في ذاكرته لفترة طويلة.
ولا أقصد التقليل من التلخيص بالذكاء الاصطناعي، فأنا أستعمله أحيانًا عندما أحتاج لمعرفة ملخص عام لبعضالموضوعات التي لا أهتم بتفاصيلها كثيرًا.
لذلك نحتاج أن نعرف متى نستعمل هذه الأدوات، وفي أي شيء.
لكن أن يصبح شخص معتمدًا بشكل كامل عليها، فهذا — في رأيي — سينتج جيلًا أقل مهارة في كل المجالات.
المفارقة أن كثيرًا من المستخدمين اليوم يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كما لو أنه معلم، بينما حقيقته أقرب للمساعد الذكي الذي ينظم المعلومات لكنه لا ينتج فكرًا.
نقطة أنك تلاحظ الفرق في إجابات الأداة عندما تكون على دراية بالموضوع، مقارنة بمواضيع تجهلها، تفتح بابًا مهمًا جدًا للنقاش، هل من الآمن أن نسلم عقولنا لهذه الأدوات؟
وهنا يكمن الخطر الأكبر على التعليم. الطالب الذي لم يمرّ بتجربة المعاناة المعرفية، أي أن يتوه بين عدة مصادر، ويخطئ ويصحح، ويتعلم بصبر، لن يستطيع أن يُقيّم المعلومة حتى لو قُدِّمت له مصفّاة. كما أن التلخيص وحده قد يكون خطيرًا، لأنه يُقصي التفاصيل التي تُكوّن الفهم الحقيقي، تمامًا كما أن تناول ملخصات أدبية لا يصنع قارئًا، بل مجرد حافظٍ لعناوين سطحية.
هل من الآمن أن نسلم عقولنا لهذه الأدوات؟
لا بشكل قاطع، في كثير من الاحيان لاحظت ان "شات جي بي تي" و "دييب سييك" مثلا يزورون في المصادر.
منذ بضعة ايام كنت احاول معرفة اسم تجربة في علم النفس كنت اعرف احداثها فقط ، فسالت كلاهما وكل منهما اخبرنى باسم تجربة مختلف وكانت النتيجة عند البحث عن التجربتين انها لا تمت بصلة للتجربة التى اريد.
واليوم كنت ابحث عن مصدر لمقولة بمعني معين لكن لا اعرف النص الاصلي للمقولة ، "شات جي بي تي" ارسل لي النص الاصلي للمقالة وقال مصدرها في كتاب معين وفي صفحة معينة وبعدما عانيت في الوصول لنسخة pdf من الكتاب لانه قديم وباللغة الانجليزية لم اجدها في الكتاب بل وبعد بحث اكثر وجدت انه قام بتأليف النص الاصلى للمقولة اساسا وان هذا النص لا اصل له🙂
القضية ليست في وجود التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية توظيفها داخل العملية التعليمية. علينا أن نُميّز بوعي بين الاستخدام الإيجابي الذي يعزز الفهم، والسلبي الذي يُضعف المهارات الأساسية. وهنا تبرز مسؤولية صناع القرار في بناء إطار تعليمي متكامل يُعيد تعريف دور المعلم، ويوظف التقنيات الحديثة كأدوات داعمة لا بدائل للعقل البشري، مع الحفاظ على جوهر التعليم: الفهم، النقد، والإبداع.
أحييك على طرحك، لكني أعتقد أن المشكلة أعمق من مجرد توظيف التقنية بشكل إيجابي أو سلبي.
إذا استمررنا في بناء تعليم يهدف إلى تحصيل المعرفة فقط، فسوف تنهار المنظومة بالكامل أمام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
أما إذا أعدنا صياغة هدف التعليم ليصبح صناعة عقل ناقد ومتسائل وبدع، عندها فقط سيكون للتقنيات دور فعّال.
بمعنى آخر، لا يكفي أن نقول أننا يجب ان نستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي. بل يجب أن نُعيد هندسة التعليم كله ليُنتج إنسانًا قادرًا على توجيه الذكاء الاصطناعي نفسه.
نعم يجب تطوير المنظومة التعليمية بأكملها بما فيها المُعلم لتصبح ملائمة للعصر الحالي عن طريق استغلال التكنولوچيا، لكن هناك أشياء لا تستطيع التكنولوچيا تقديمها للطالب مثل المعلم القدوة والتفاعل الإنساني، وإن كان الذكاء الاصطناعي يستطيع الكتابة وشرح الدروس لكنه لن يستطيع فهمها بدلًا من الطالب أو وضعها برأسه عنوة! يبقى على الطالب بذل الجهد للفهم والاستيعاب وإلا فإنه لم يتعلم شيئًا من الأساس.
ما ذكرته في غاية الدقة، وأعجبني تشبيهك الضمني بأن الذكاء الاصطناعي يستطيع عرض المعرفة لكنه لا يستطيع غرسها في ذهن الطالب. أعتقد أن الطالب يجب أن يرى التعليم كعملية بناء ذاتي للمعرفة، ولا يكون مجرد متلقٍ ينتظر أن تُلقى عليه المعلومة ليحفظها
المعلم القدوة، الذي تنشأ بينه وبين الطالب علاقة إنسانية قائمة على الحوار والثقة والاحترام، لا يمكن استبداله بأي نموذج رقمي. فالشرح الجيد لا يزرع الحافز، لكن القدوة تفعل. والأداة الجيدة لا تصنع الإلهام، لكن المعلم البشري يفعل.
الذكاء الاصطناعي اليوم يشبه مكتبة لا حدود لها، لكن من قال إن وفرة الكتب تعني كثرة القرّاء؟
برأيي الأمر لا يرتبط بالمعلم ولكن بالطالب، قبل تعدد المشتات وظهور الذكاء الاصطناعي كانت هناك نسبة كبيرة أيضا من غير المهتمين، كل ما حدث اليوم أن هذه النسبة زادت فقط.
أعني أن المتجاهلين كانوا سابقاً وفقط زادوا اليوم لأن وسائل التشتت تعددت وكذلك البدائل أصبحت متوفرة وسهلة فاللوم هنا على الطالب في المقام الأول
فعلا أعتقد أن بعض المعلمين أصبحوا يأخذون التطور التكنولوجي كشماعة يعلقون عليها جمود أسلوبهم وعدم التفكير في تطوير أنفسهم أو استغلال التكنولوجيا لصالحهم. وإن كان تفلت الطلاب من التعليم قد ازداد حاليا بلا شك عما كان في السابق للعديد من الأسباب، لكن لا يمكن أن نلقي بالمسئولية كلها على الطلاب، بل يتحمل المعلمين والمنظومة التعليمية بأكملها قدر كبير من المسئولية
الطلاب هم الطلاب دائما، وشكوى المدرسين هي نفسها دائما.
أتذكر وقت أن كنا في الإبتدائية وبدأنا في استعمال الآلة الحاسبة لإجراء بعض العمليات البسيطة، بدأ المدرس يلقي علينا محاضرة عن فساد التعليم، وأن الآلة الحاسبة تلك ستعطّل عقولنا، ويتساءل أي تعليم ذلك وأي رياضيات تلك التي تُحَل على الآلة الحاسبة.
ومن منظور آخر، فإن هذا ما يحدث تماما اليوم، شكوى المدرسين من الجيل القديم هي نفسها دائما، مثلما حدث مع الآلة الحاسبة والهاتف والحاسوب والإنترنت، يحدث الآن مع الذكاء الاصطناعي.
لذا فإنّي أرى أن المشكلة تكمن في المدرّسين كبار السن الذي لا يقبلون التغيير أو التطور كسلا أو تجمّدا، فإن الأمر سيتطلب مجهودا كبيرا منهم لتغيير طريقة تدريسهم بالكامل حتى تواكب العصر الحالي، طريقة التدريس تلك التي مارسوها يوميا بمدة 30 عاما تقريبا، لذا ولصعوبة الأمر فإنهم يلجأون إلى إلقاء اللوم على الطلاب أو البيئة لا على أنفسهم.
بالفعل مقاومة التغيير في بعض البيئات التعليمية لا تكون دائما نابعة من حرص حقيقي على الطالب، بل من خوف المعلم على نفسه وخوفه من أن يُقال له أن طريقته لم تعد صالحة. لكن على الجانب الآخر هل كل مقاومة للتكنولوجيا هي بالضرورة جمود؟
الآلات الحاسبة مثلا لم تُلغِ فهم الرياضيات، لكنها اختصرت الطريق. أما أدوات الذكاء الاصطناعي قد تُغني عن الفهم ذاته، وهذا فارق نوعي لا يمكن تجاهله. اعتقد أن اللوم لا ينبغي أن يُلقى كله على الجيل القديم من المعلمين، بل على المنظومة كلها.