النفس أولى بالترميم: حين يسبق صلاح الذات نفع الآخرين

"خير الناس أنفعهم للناس"، حديث نبوي عظيم يؤصّل قيمة البذل والعطاء، ويحث على أن يكون المسلم مصدر خير وبناء لمن حوله.

لكن العطاء، وإنْ كان ممدوحًا، يجب أن لا يكون على حساب النفس. فإن من يرمم الآخرين وهو متشقق من الداخل، قد يسقط فجأة تحت ركام ذاته المنهكة.

النفع لا يعني التهالك

نفع الناس لا يعني أن تُنزِف نفسك، ولا أن تحترق لتُضيء لغيرك، فتغدو ظلمة نفسك أشد من نور من حولك.

وقد قيل: من لا يملك لنفسه شيئًا، كيف يُعطيه لغيره؟

كم من شخصٍ كان ملهِمًا ومساعدًا للآخرين، ثم فجأة غاب أو انهار؟ لأنه لم يلتفت لترميم قلبه، ولم يعالج شقوق نفسه.

النفس أولى: نداء قرآني

قال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}
[الرعد: 11]

الآية تُرسي قاعدة إلهية واضحة:

التغيير الخارجي يبدأ من التغيير الداخلي.

فكما أن المجتمع لا يتغير إلا بتغير أفراده، فكذلك الإنسان لا يستطيع أن يُصلح غيره قبل أن يُصلح نفسه.

  • قال الإمام الشعراوي:
"حين يُغيّر الناس ما بأنفسهم، ويُصحّحون إطلاق الإرادة على الجوارح؛ فتنصلح أعمالهم."

هل الترميم الذاتي صعب؟

نعم، صعب… لأنه يطلب منك مواجهة نفسك، وترك ما تهواه، ومجاهدتها بإخلاص.

لكنه غير مستحيل. يكفي أن تنوي، وتحاول، وتستعين بالله.

قال تعالى:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}
[العنكبوت: 69]

النية الصادقة، ثم المحاولة، ثم التوكل على الله… تلك هي مفاتيح الترميم الذاتي.

متى نفع النفس يكون مقدمًا؟

  • حين يستنزفك العطاء لدرجة لا تجد فيها نفسك.
  • حين يتعب قلبك ويذبل وأنت تُلبّي نداءات الغير دون أن تلبي نداء داخلك.
  • حين تتحدث للناس عن الصبر وأنت لا تصبر، وعن الرضا وأنت غاضب، وعن القرب من الله وأنت بعيد.

هنا، تتقدم النفس، لا أنانيةً، بل لأنك لن تعطي غيرك إلا مما فيك.

فلنحفظ ما بنيناه

قال أحدهم:

"لا تبنِ قلاعًا للناس، وتهدم نفسك كل مرة لوضع حجر جديد لهم."

خير الناس، من يرمم غيره، ويحافظ على ما بداخله من بناء.

خاتمة: لا تأمل من سواه أملاً

دعاءك، رجاؤك، تعبك، ضعفك، انكسارك، ترميمك، نفعك للناس…

اجعل أصله لله، لا للناس، ولا للأثر، ولا حتى للنجاح.

لا تُؤمّل من سواه أملاً... إنما يسقيك من قد زرعك

ابدأ بنفسك، رمّمها، قوّها، طهّرها، ثم مدّ يدك إلى غيرك… فربما تكون نجاتك ونجاتهم في آن.