عندما لا تكون الكفاءة وحدها كافية
هناك اختلاف كبير بين الناس في أوضاعهم الاجتماعية والمادية، وهذا أمر موجود في جميع المجتمعات. فهناك من يولد في عائلة ميسورة توفر له التعليم والدعم والعلاقات، وهناك من يبدأ حياته بإمكانات محدودة، ويضطر إلى شق طريقه بنفسه.
لكن المشكلة لا تكمن في اختلاف الظروف بحد ذاته، وإنما تبدأ عندما تصبح الفرص مرتبطة بالوضع الاجتماعي والعلاقات أكثر من ارتباطها بالكفاءة والاستحقاق.
فقد يصل شخص إلى منصب أو فرصة لمجرد امتلاكه علاقات أو دعمًا اجتماعيًا، بينما يُحرم شخص آخر أكثر كفاءة وطموحًا لأنه لا يملك الوساطة نفسها. وفي بعض الأحيان قد تكفي كلمة طيبة أو معرفة شخصية لفتح باب أمام شخص، بينما يبقى آخر يطرق الباب سنوات رغم امتلاكه العلم والقدرة.
وهذه ليست مشكلة فردية بسيطة؛ لأنها عندما تتكرر تتحول إلى مشكلة اجتماعية. فالمجتمع الذي لا يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ولا يمنح الكفاءة والطموح فرصتهما، يبدأ تدريجيًا في خسارة أفضل ما لديه: العقول والطاقات والشغف.
والأسوأ من ذلك أن الشاب الذي يجتهد ثم يرى غيره يتقدم عليه رغم امتلاكه كفاءة أقل، قد يبدأ في فقدان الثقة بنفسه وبالمجتمع من حوله. ومع تكرار التجربة، قد يتحول الإحباط إلى شعور بالعجز، ثم إلى ضغط نفسي، وربما إلى كراهية للمكان الذي يعيش فيه، ليس لأنه يكره وطنه في الأصل، وإنما لأنه يشعر أن وطنه لم يمنحه فرصة عادلة.
وعندما يصبح هذا الشعور منتشرًا بين فئة كبيرة من الشباب، تبدأ آثار المشكلة بالظهور على المجتمع كله. فكيف يمكن لدولة أن تنهض إذا كانت كفاءاتها لا تجد طريقها إلى مواقعها المناسبة؟ وكيف يمكن أن يتطور قطاع ما إذا لم يتولَّ المسؤولية فيه الشخص الأكثر قدرة واستحقاقًا؟
الأخطر أن بعض أصحاب المناصب قد لا يكتفون بالتمسك بمواقعهم، بل قد يقفون أحيانًا أمام الشباب الطموح، خوفًا من أن ينافسهم أو يتفوق عليهم. وهنا لا نخسر شابًا واحدًا فقط، بل نخسر فرصة كان يمكن أن تضيف شيئًا جديدًا للمؤسسة والمجتمع.
ومع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الشاب يرى يوميًا تجارب شباب آخرين في بلدان مختلفة؛ يرى من بدأ من الصفر، ومن وجد فرصة، ومن نجح في مجال يحبه. فيبدأ بالمقارنة: لماذا استطاع هو أن يحقق حلمه، بينما لم أجد أنا حتى فرصة عادلة لأحاول؟
أحيانًا لا تكون النتيجة نهاية الطريق، بل بداية لطريق جديد. قد يشعر الطالب بالإحباط بعد سنوات من الدراسة والتعب، لكن الفشل في امتحان أو عدم الوصول إلى الهدف في الوقت المتوقع لا يعني أن الحلم انتهى. المهم أن نحافظ على الأمل، ونتعلم من تجاربنا، ونحاول من جديد. فلكل طالب ظروفه وطريقه الخاص، والنجاح لا يأتي دائمًا في الوقت الذي نتوقعه. 🌷