هذا التساؤل يضع الاصبع على الجرح الحي تماما لكن الرد الحقيقي الذي يجب ان نواجهه بشجاعة هو ان واقع التعليم في بلادنا العربية ليس وليد صدفة وليس ناتجا عن نقص في العقول او الكفاءات بل هو انعكاس دقيق لسياسة دولة وخيارات بنيوية مقصودة فالمنظومة التعليمية في اي مكان في العالم لا تعمل بمعزل عن الفلسفة السياسية للنظام الحاكم والمدرسة التقليدية القائمة على التلقين والحفظ واعادة انتاج المعلومات دون نقد هي الاداة المثالية لإنتاج جيل مطيع ومستهلك لا يسأل ولا يناقش وهي العقلية التي تناسب الانظمة الستاتيكية التي تخشى التغيير وتوجس من عقلية السؤال والابتكار
والدليل القاطع على ان المسألة هي سياسة وارادة وليست امكانيات مادية هو ان معظم الدول التي تقود العالم اليوم في جودة التعليم لم تكن تحظى باحوال مادية او اقتصادية جيدة بل ان بعضها نهض من ركام الفقر والحروب والازمات الطاحنة لعل ابرز مثال على ذلك هي فنلندا التي تصنف اليوم كأفضل نظام تعليمي في العالم حيث بدأت ثورتها التعليمية في السبعينيات من القرن الماضي وهي تعاني من ركود اقتصادي خانق وضغوط سياسية هائلة من الاتحاد السوفيتي ولم تكن تملك ثروات طبيعية بل قررت الدولة ان تراهن على رأسمالها البشري وجعلت التعليم مشروعا قوميا فوق السياسة
والمثال الاخر الاكثر شبها بالفيديو الذي شاهدته هو كوريا الجنوبية التي خرجت في الخمسينيات من حرب اهلية مدمرة طحنت البلاد والعباد وتركتها واحدة من افقر دول العالم ومعدلات امية مرعبة لكن الدولة هناك لم تنتظر الفائض المالي بل اعادت صياغة نظامها التعليمي بالكامل ليكون قاطرة الاقتصاد والتكنولوجيا والامر نفسه ينطبق على سنغافورة التي انفصلت عن ماليزيا عام الفين وتسعمئة وخمسة وستين بلا موارد طبيعية ولا حتى مياه شرب كافية ولم تنقذها الاموال بل انقذتها اعادة هندسة التعليم ليكون منتجا وخلاقا ومواكبا لروح العصر
لذلك فان وزارات التربية والتعليم لدينا لا ينقصها المال او المناهج المعلبة التي يمكن شراؤها واستيرادها بل ينقصها القرار السياسي الشجاع الذي يرى في التعليم اداة لبناء مواطن حر ومفكر وليس مجرد رقم في طابور الوظائف الكلاسيكية تغيير مناهجنا وصورة المدرسة التقليدية لن يحدث بقرار تربوي مجرد بل عندما تدرك الدولة ان امنها القومي الحقيقي يبدأ من تمويل العقل ومنح الصغير مساحة ليطلق صاروخه المائي في الساحة دون خوف من الخطأ او المساءلة.
هناك محاولات من بعض وزارات التربية والتعليم، لكن بلادنا أنهكتها الحروب والصراعات والفساد وتركها ذلك إما غارقة في الديون أو تكافح لتغطية احتياجات شعوبها الأساسية، والتعليم بذلك الشكل الذي ذكرته يحتاج لإمكانيات للمدرسة والمعلم والمنظومة، وكل ذلك يحتاج لماديات، حتى أن استقرار نفسية المعلم وإقباله على أداء عمله بشغف يحتاج لأن يكون مستقرًا ماديًا، والطفل لكي يستطيع التركيز والإبداع يحتاج لمدرسة جيدة وبيت هادئ ووجبات متوازنة وكل هذه الأشياء يؤثر على وجودها قلة المال.
هناك بلاد لم تنهكها الحروب ولديها من المال فائض كبير لكن مع ذلك توجه المال ناحية مشاريع مختلفة عن التعليم، مثلاً مشاريع استثمارية أو مشاريع صناعية وتكنولوجية ذات طابع خاص مختلف عن الطابع الصيني الذي يهدف لتوفير يد عاملة ذكية ومدربة على التصنيع والابتكار الذاتي.
صحيح . صدقت
يا سيدة سهام. قولك صحيح. و هذه أسباب يجب ان تحاول دولنا ان تجد لها حلولاً و مخرجاً . و لكن اغلبها منذ عقود لم تغير ساكن. و الفاسدون فيها منكبون على السرقة و الفستد بدلاً من إصلاح و تلافي هذه العقبات ، و للأسف.