من المفترض والطبيعي أن يشارك كلًا من الأم والأب في رعاية الأطفال، ويجب أن يكون لكل طرف دورًا في حياة الطفل حتى بعد الانفصال، لذلك أجد الحضانة المشتركة أفضل حل في الوضع الطبيعي، حيث يتسنى للطفل العيش مع الطرف الذي يهتم بحياته اليومية ودراسته طوال أيام الأسبوع، وفي العطلة يمكث مع الطرف الآخر والذي يتحمل مثلًا الجزء الخاص بالتمارين أو الترفيه وهكذا.

الحضانة المشتركة حل متوازن من الناحية النظرية، لكنه ليس مناسب لكل الحالات، لأن نجاحها يعتمد على درجة التفاهم بين الطرفين بعد الانفصال، احيانا يكون الخلاف بين الوالدين هو السبب الأساسي لعدم استمرار العلاقة، وهنا قد يتحول الانتقال المستمر بينهما إلى مصدر توتر إضافي للطفل.

ونفسيت الدفل تحتاج بيئة واحدة واضحة يشعر فيها بالأمان والروتين الثابت. حتي لا يشعرون بتشتت في القواعد اليومية والشعور بعدم الاستقرار، حتى لو كان كلا الوالدين مهتمًا بهم. الأهم من تقسيم الوقت هو جودة العلاقة بين الوالدين وقدرتهما على التعاون الفعلي دون صراع .

أنا معكِ في ذلك، ولكن كيف يمكن تنفيذ ذلك قانونيًا، لأنه مثلًا في ولايات أمريكا يجب على الطرف الآخر أن يحقق دخل ثابت ويخضع لاختبارات نفسية وتوفير مسكن جيد وعوامل كثيرة تسمح له باستضافة الطفل وموافقة القانون، فهل يمكن أن نجد هذا التعديل في القانون؟ علمًا بأن البعض سيشكو موضوع الوضع الاقتصادي وعدم القدرة على توفير مسكن مثلًا جديد لاستقبال الطفل.

الفكرة قانونيًا ممكنة من حيث المبدأ، لكن تطبيقها حرفيًا مثل بعض الولايات الأمريكية يحتاج تكييف كبير مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي في كل دولة.

في أنظمة الحضانة في الولايات المتحدة مثلًا، ليس شرط “دخل مرتفع أو مسكن جديد” هو الأساس وحده، بل معيار “مصلحة الطفل” هو الحاكم، وتدخل فيه عوامل كثيرة: الاستقرار النفسي، البيئة الآمنة، قدرة الطرف على الرعاية، وليس مجرد مستوى الرفاهية. لذلك حتى هناك لا يُشترط دائمًا تغيير كامل في الظروف المادية، بل يُنظر هل الوضع الحالي كافٍ وآمن للطفل أم لا.

أما في مجتمعات أخرى، فلو تم اشتراط معايير مادية صارمة جدًا فقد يؤدي ذلك إلى نتائج غير عادلة، خصوصًا في حالات اقتصادية صعبة، وقد يحرم طفل من أحد الوالدين رغم أن الطرف قادر على رعايته بشكل جيد. لذلك أي تعديل قانوني غالبًا يحتاج توازن: رفع معايير الأمان والرعاية، بدون تحويلها إلى شروط مالية تعجيزية، مع ترك مساحة لتقدير القاضي لكل حالة بشكل منفصل.

ليس دخل مرتفع بل ثابت، لأن لو دخله غير ثابت لن يستطيع رعاية الابن أو استضافته بطريقة ملائمه لاحتياجاته، وفكرة توفير المسكن المناسب ايضًا مهمة جدًا، فلو مسكن سيئ وجيرة سيئة فهذا غير آمن للطفل، وحتى سمعت تعليق لإحدى النواب في هذا الموضوع، أن الأصل هو لفكرة تعديل الوضع الاقتصادي، لأنه لو وضع الأم مثلًا أفضل بكثير من الرجل أو العكس هذا يؤثر في فكرة الحضانة والاستضافة.

لكنها ستجعل الطفل ينتقل باستمرار بين بيتين ونظامين مختلفين وممكن يتعرض لغسل عقله من كل طرف لأنه سيمكث لفترة مع كل طرف وهذا سيسبب له عدم استقرار الأهم ليس تقسيم الوقت بين الأب والأم لكن أن يعيش الطفل في بيئة ثابتة وواضحة مع بقاء الطرف الآخر ظاهر في حياته بشكل داعم استقرار الطفل النفسي يحتاج حياة مستقرة أكثر من احتياجه لتقسيم متساوي بين الوالدين.

لكن يا مي حتى لو بقي الطفل مع طرف واحد يمكن أن يتم غسل عقله من هذا الطرف الواحد وبدل أن ينشأ الطفل بحرص من الأم والأب نعطيه لطرف واحد يفعل به ما يريد دون رقيب فينشأ الطفل مغسول العقل مهمل التربية أو يكبر وهو راسخ في ذهنه مفاهيم غير متوازنة لأنه لم يتعرض لتجربة الأمومة والأبوة معاً بل واحدة فقط.

لكن ذلك سيضمن وجود الأب والأم في حياة الطفل دون حرمان، وكذلك تأدية كل شخص لدوره.

وإذا فكر الوالدان في مصلحة الأبناء سيتفقوا على الأفضل بالنسبة لهم، دون غسل أدمغتهم أو غيره، كما يجب أن يكون هناك إشرافًا من الحكومة على تنفيذ الحضانة المشتركة بما فيه مصلحة لكل الأطراف وخاصةً الأبناء.

ما الأطار الذي يمكن للحكومة فيه التدخّل في موضوع الحضانة المشتركة؟ حسب ما أعرف لجان حماية الطفل أو خدمات الرعاية لا تتفقد حال الأطفال عند الطلاق ووضع البيوت وهكذا (كما هو الحال في بعض دول الغرب) ولكن متاح فقط أرقام للنجدة وتوفير كفالة واسر بديلة للأطفال الذين فقدوا أهاليهم.

الفكرة أن نقطة غسيل الأدمغة تحديدًا تحدث حتى داخل البيت الواحد عندما يكونوا في مرحلة ما قبل الانفصال الرسمي، ويستغل الأهل أطفالهم حتى يشحنوهم ضد الزوج أو الزوجة، وهذه النقطة تحديدًا ترجع إلى مستوى السوى النفسي للأهل ومدى فهمهم لمخاطر شيء كهذا على تفكير الطفل عندما ينضج.

نقطة وجوده مع الطرف المسئول عن إدارة حياته مهم جدًا، ولا سيما في السنوات الأولى للطفل التي يعتمد فيها كليًا على هذا الطرف، ولكن كيف نتصرف في فكرة الحرمان العاطفي من وجود الطرف الآخر وإشباعه للطفل، فمثلًا قد تكون الأم هي الطرف غير المسئول لأي سبب ولكن في السنوات الأولى للطفل هو يحتاج لمثال الأم من ناحية الحنان والعاطفة، فهل لو تزوّج الأب، هذا يفيد الطفل من هذه الناحية أم يضره؟

الانفصال والطلاق هو أمر طبيعي بل وضروري لان أحدهما لا يستطيع التعايش مع الآخر!

لكن ان كانت القضية هي مع من أفضل أن يبقى الطفل فأرى الأفضل أن يُفعل كما فعل احد القُضاة ذات مرة (لا أذكر ممن سمعت ذلك لكنه منطقي جدا) أن يسأل القاضي الطفل مع من يريد البقاء ولم ذلك؟

{حينها أجاب الطفل أنه يريد أن يبقى مع أحدهما لانه لا يركز عليه بتأدية مهامه ويتراخى معه فكان حكم القاضي أن حكم لصالح الآخر لانه يهتم به ويحرص على تربيته}

اجابة الطفل هي التي تحدد النتيجة، الأطفال غالبا يميلون لمن يشبع رغباتهم ويكون لينًا معهم أكثر ويرون في التربية قسوة وجدية.

ما هو لو حدد النتيجة بالآخر معناها أننا نقول للطفل نحن نترك لك مساحة الاختيار ولكن سنفرض عليك أيضًا ما نراه سليم، يعني نُحدث خللًا له من البداية في كيفية فهم الاختيار والواقع وكل ذلك، ولا سيما أن الطفل في سن 5-7 سنوات تكون بداية إدراكه البسيط بمعنى الاختيار والفضول والتساؤل، فمعنى أنني أعطيه الاختيار ويختار ثم أفرض عليه الاختيار الآخر، إذن ماذا نتوقع له عندما ينضج؟ سيشعر أنه لا يوجد اختيار في أي شيء في الحياة وأن عليه الانصياع للمفروض والخوف من رفضه.

عندما يكبر ويتربى بالطريقة الصحيحة سوف يدرك أن ما فرض عليه في صغره كان لصالحه وسوف يتفهم الأمر.

أنا لم أختر عندما كنت صغيرة لأنه في دولتي حق حضانة الأطفال للأم، والآن بعد أن كبرت وقد أحسنت أمي تربيتي فإنّي أحمد الله أن ربيت عندها ومدركة تمامًا أنني لو كنت مع الطرف الآخر ما كنت على ما أنا عليه الآن من الوعي والتّفهّم!

لذلك، صدقيني ليس القرار الإجباري ما سيؤثر عليه بل التربية، الطفل في هذا الوقت لن يكون مدركًا لكن عندما يتربى بالطريقة الصحيحة سيعرف لم أُجبر على ذلك.

ما هو ما حدث معكِ لم يعطيك شيء ويأخذه منك لأن أصلًا ليس من المفترض لك أن تختاري بين أب وأم في هذا السن الصغير، يعني أنا ضد أن أعطي الطفل مساحة للاختيار ويتم تهيئته لذلك ثم ينصدم بأن كل ذلك انتهى بالاختيار الآخر، يعني لما أصلًا اعطيناه اختيار من الأساس؟!! فائدة لجنة الشئون أن تتحدث مع الطفل لتفهم منه الحقيقة كاملة عما يحدث قدر المستطاع والقرار بما هو في صالح الطفل، لكن ما مستوى إدراك الطفل الفعلي لوضعه حتى يختار بين أب وأم، هذا سؤالي، وهل لو اختار سيكون اختيار صالح؟ الإجابة قد تكون لا كما ذكرتي بسبب تأثير الدوافع على العقل، وقد تكون نعم بناءً على قربه من طرف عن طرف (مثل حالات عدم تواجد الأب أو الأم للسفر أو المرض)

فهمت الآن

ما قصدته أنا ليس من مبدأ التركيز على السؤال، بل ليتمكن القاضي من معرفة الأنسب للطفل، وما تقصدينه هو طريقة معرفة ذلك من الطفل بأن لا يكون منحة حرية مزيفة للاختيار ثم إتخاذ القرار بدلا منه

وهذه الفكرة صائبة بالفعل!

لكن ما مستوى إدراك الطفل الفعلي لوضعه حتى يختار بين أب وأم، هذا سؤالي، وهل لو اختار سيكون اختيار صالح؟

بالطبع الطفل لن يدرك ما هو القرار الصالح له بل سيميل لمن يمنحه حرية ومرونة أكبر.

هذا صحيح، لقد ناقش هذه الفكرة أحد مسلسلات رمضان الماضي، وكانت البنت مطالبةً لتختار بين أبيها وأمها، وعندما سألها القاضي لم تستطع الاختيار، وكانت النهاية مفتوحة.

هذا السؤال أشبه بسؤال: 'من تحب أكثر، بابا ولا ماما؟'

لماذا من الأساس نفترض أننا يجب أن نحب طرفاً أكثر من طرف؟ فكل طرفٍ سيختلف إحساسنا معه، ونحن نحتاج إلى الاثنين دائماً مادمنا على قيد الحياة.

هي الفكرة أن الاختيار نفسه فوق مستوى المطلوب من الطفل في هذا السن، وحتى مهما كبر ماذا يعني أن أقول له هل تريد بابا أم ماما؟ ونعم تابعت المسلسل وطرح الفكرة بالضبط، الأب أفضل في قضاء الوقت والترفيه والمذاكرة والأم أفضل في الاعتناء الشخصي والدعم النفسي، وهذا يحدث نتيجة لاختلاف أدوار الأب والأم والشخصيات، واختيار الطفل يعني أيضًا ضمنيًا أن حق الطرف الآخر في تربيته أو حبه أصبح أقل من الآخر.