لا أعتقد أن المشكلة دائمًا في تعارض الحدس مع البيانات، بل في افتراض أن أحدهما أكثر صدقًا من الآخر. فالبيانات قد تكون ناقصة أصلًا، والحدس قد يتأثر بالخوف أو التجارب السابقة. لذلك ليس كل تعارض بينهما يعني أننا أمام معضلة حقيقية، بل قد يعني فقط أن الصورة لم تكتمل بعد.
ويظهر هذا كثيرًا في الحياة اليومية. فكم من شخص وثق بحدسه تجاه زميل جديد ثم اكتشف أنه كان يحكم عليه بسبب انطباع أول خاطئ. في كتاب thinking fast and slow يناقش المؤلف كيف يمكن للعقل أن يقع في أخطاء سواء اعتمد على الانطباعات السريعة أو على المعلومات المتاحة له، لذلك قد يكون الحل أحيانًا هو التريث وجمع مزيد من الأدلة بدل الاختيار بين الحدس والبيانات.
لو القرار ده فيه أذية لشخص، مينفعش أعتمد على الحدس. الحدس هنا ممكن يخليني آخد قرارات احترازية مثلا أو أكون حريص أكتر في التعامل، إنما طول ما معنديش دليل قاطع، حتى لو حدسي بيخبرني بشيء معين، الأفضل دايما إني أتريث ومبخدش خطوة تضر حد حتى لو تبين لي ان حدسي كان صحيح بعد كده.
أنا أميل لحسن الظن لأن حسن ظن ليس فقط يمنع ظلم الطرف الآخر لكن هو يريحني أيضاً. لكن بصراحة هناك أشخاص لدغتهم والقبر يحب أن نحترس منهم وندقق في أفعالهم ولا نتجاهل حدسنا معهم. الشخصيات تكون معروفة.. هذا قد يغدر .. هذا لا .. وهكذا.
أصبت أخي عبد الرحمن أنا شخصياً أفضل أن أُحسن الظن وأتعرض للخداع على أن أظلم شخصاً. قد يعتبر البعض هذا التصرف سذاجة، لكن بالنسبة لي لا يهمني سوى أن أكون راضياً عن نفسي ومرتاح الضمير. ففي النهاية نحن لا ننتظر الكثير من هذه الدنيا الفانية، وما سأخسره بسبب التمسك بحسن الظن ليس كبيراً.
أما العيش في سوء ظن وشك وريبة دائمة، حتى لو كان هذا مبرراً لكثرة الغش وسوء النفوس من حولنا هو أمر مرهق ويستنزف الروح. أفضل اختيار العزلة على أن أتحول إلى شخص شكاك طوال الوقت حتى لو كان شكي في محله دائماً.
لكن الحدس يتطلب قدرًا من الذكاء العاطفي، والذكاء العاطفي يختصر علينا كثير من الوقت والتعب مع أشخاص لا يستحقون منا سوى التجاهل أو البُعد. يعني على سبيل يحدث أن أمّي تخبرني بأنها تشعر بأن الفتاة التي أصادقها تلك أخلاقها ليست جيدة. أمي لا تملك دليل، قلبها دليلها. وليس على لسانها إلا: "فقط لم أرتح لها."
ماذا عليّ أن أفعل حينها؟ أبتعد عن الفتاة وأسير خلف حدس أمي؟ أم أظل على علاقة بها وأضيع وقتي في المراهنة؟
أنا فعلاً قد لا أعتمد على الحدس كدليل، لكن حين يأتي الأمر لحدس الأمهات، فالعلماء أثبتوا إن 99.99% من ظنونهم بتطلع صح😂
لكن الأمهات بيكون عندهم أسباب حقيقية وملاحظات دقيقة، بس أحياناً مبيعرفوش يعبروا عنها وبيختصروها في كلمة حدس. هما بياخدوا بالهم من النظرات، طريقة الكلام، نبرة الصوت، وتفاصيل تانية كتير. غريزتهم دايماً قوية لما الموضوع يتعلق بأولادهم.
ورغم كل ده، بالنسبة لي في النهاية بفضل إني أكتفي بالاحتراز والحذر في التعامل بس، ومبخدش موقف قاطع إلا لما يصدر من الشخص تصرف فعلي يأكد الإحساس ده.