للناس الظاهر بينما الداخل لا يعلمه إلا الشخص نفسه والله، فربما يكون الشخص يفعل الخطأ ويجاهد نفسه على عدم فعله ولإدراكه مدى صعوبة وخطأ ما يقوم به ينصح غيره بألا يفعلوا ذلك، وبالطبع هناك من يدعي الفضيلة وهو غير ذلك، لكن لو كانت الدعوة للخير فعلى الأقل قد يتأثر البعض بطريقة جيدة.
كل هذه الاحتمالات واردة، ولكن أرى ان أهم سبب هو عدم اقتناعه بما يفعل، يعني ليس لديه إيمان بمعتقداته وبالصح والخطأ وبالتالي هو غير مقتنع لدرجة تجعله يعتنق هذا امام الجميع، وهذا سنلاحظه بأنفسنا فإن كنا مقتنعين بمبدأ أو حتى بمقولة أو عادة تجدين نفسك تكرريها بأي وقت وبأي مكان حتى لو كانت مخالفة لما نعيشه او للصورة العامة بالمجتمع، لماذا؟ لأنك مقتنعة ومؤمنة بما اعتنقتيه من فكر أو مبدأ
برأيي ليس السبب هو عدم الاقتناع بل السبب هو نزوع النفس لهواها ورغباتها، فكل إنسان يعرف أن السرقة حرام ويؤمن بذلك ويعرف أن السارق يستوجب السجن، لكن لذة النقود والإنفاق والمطاعم والمشارب وسعة العيش تداعب خيالات الإنسان فيسرق، لذلك نرى تأنيب الضمير عند المجرمين ونرى عندهم الندم وبعضهم ينهار ببساطة ويسلم نفسه قبل أن يقبض عليه، أو يعترف بسهولة بعد القبض عليه.
هناك فرق بين المعرفة والإيمان، كوني أعرف أن السرقة حرام لا يعني أبدا أني من داخلي مؤمن بعدم الفعل، وقس على ذلك كافة الأفعال والتصرفات والحلال والحرام الذي نعرفه، ستجدنا جميعا نعلم لكن لسنا جميعا مؤمنين بما نعرفه وهو الفيصل الذي يجعلنا نمارس الفعل من عدمه.
يمكن إذاً أن أستنتج من كلامك أن إيماننا بحرمة السرقة يعني أننا لن نسرق أبداً مهما كانت الظروف؟
طرحكِ يلامس جانبًا جوهريًا فعلًا، وهو مسألة القناعة الداخلية بوصفها المحرّك الحقيقي للسلوك. فحين يكون الإنسان مؤمنًا بما يتبنّاه من قيم أو مبادئ، يغدو التعبير عنها عفويًا وغير مشروط بسياقٍ أو رقابة، كما تفضلتِ.ومع ذلك، أرى أن المسألة قد تتجاوز حدود “عدم الاقتناع” فقط؛ إذ قد يجتمع لدى الإنسان قدرٌ من الإيمان بالفعل بصواب مبدأٍ ما، لكنه لا يبلغ درجة الثبات التي تجعله قادرًا على الالتزام به في كل الأحوال. فالقناعة ليست دائمًا حالةً مطلقة، بل قد تكون متدرجة، يداخلها التردد، أو تضعف أمام ضغط الواقع والرغبات.بمعنى آخر، قد يُدين الإنسان الخطأ عن قناعةٍ حقيقية، لكنه يعجز عن ترجمة هذه القناعة إلى سلوكٍ ثابت، لا لزيفٍ كامل في معتقده، بل لقصورٍ في قدرته على مقاومة ما يخالفه. وهنا يظهر التعقيد الذي أشرتُ إليه في المناقشة: صراعٌ بين ما نؤمن به وما نستطيع فعله.