الحقيقة أننا نخلط أحياناً بين نوعين من الحرية:
الحرية المطلقة: وهي التي وصفتِها (فعل أي شيء في أي وقت)، وهذه فعلاً "وهم" لأننا محكومون بقوانين الفيزياء، والبيولوجيا، والاجتماع، والدين، حتى ذرات جسدنا تخضع لقوانين لا تملك هي نفسها حرية التمرد عليها.
الحرية النفسية (الواعية): وهنا تكمن الإجابة على سؤالك "متى نشعر بالحرية؟".
نحن نشعر بالحرية حقاً ليس عندما نتحرر من "القيود"، ولكن عندما نختار قيودنا بأنفسنا.
فمثلاً الصائم يشعر بالحرية لأنه اختار الجوع طاعةً لخالقه، رغم أن جسده يدفعه للأكل.
والكاتب يشعر بالحرية وهو يحبس نفسه لساعات ليؤلف كتاباً، رغم أن القانون والمسؤوليات لا تجبره على ذلك.
الحرية الحقيقية قد لا تكون في "الهروب من الدفع"، إنها في الوعي بالدوافع واختيار الاستجابة لها. كما قال الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس: "الحرية هي القدرة على العيش كما تريد، ولكن بعد أن تتعلم كيف تريد ما هو ممكن فقط".
ربما الشعور بالحرية هو تلك "المسافة" الصغيرة بين ما يفرضه علينا الواقع وبين رد فعلنا تجاهه.
دينياً وبمعنى فلسفي بعيد عن التحليل والتحريم
الدين لا يرى الحرية كـ "فوضى" (فعل ما نريد وقتما نريد)، لأن هذا النوع من الحرية يؤدي دائماً لاصطدام الحريات وضياع الحقوق.
أي أن الحرية هي الاختيار المرتبط بالغاية. أنت حر لتبني، لا لتهدم؛ لترتقي، لا لترتدّ لحيوانيتك.
الحرية هنا: هي القدرة على قول "لا" للخطأ رغم إغرائه، و"نعم" للحق رغم كلفته. هذا هو أسمى تجليات الإرادة البشرية.
أعتقد أنك لمست جوهر مهم لكن ربما المشكلة ليست في غياب الحرية بل في تعريفنا لها. الحرية المطلقة التي تعني فعل ما نريد وقتما نريد تبدو أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع لأن الإنسان بطبيعته كائن مرتبط بشبكة من القيود. لكن داخل هذه القيود توجد مساحة اختيار حقيقية، كيف نفكر وكيف نفسر ما يحدث وكيف نتصرف ضمن الممكن
قد لا أستطيع كسر القوانين أو تجاوز الطبيعة لكن يمكنني أن أختار موقفي من ذلك وهذه بحد ذاتها حرية داخلية لا يراها الكثيرون.
أتفق معك، وأرى أيضًا أن الحرية المطلقة غير واقعية ولا وجود لها، لذلك أعجب عندما يعلن أحدهم هجرته لبلد أخرى غير بلده أو إلحاده اعتقادًا منه أنه يستطيع فعل ما يريد وقتما يريد في أي مكان!