أعتقد أن الشخص الذي يبحث عن الصلح ليس شخصاً ضعيفاً وليس بالضرورة يكون هو المخطئ، ولكنه يكون الشخص الأكثر عقلاً لإنهاء الخلافات، والحفاظ أكثر على الود، وأن الحكم عليه من قبل الطرف الآخر بأنه أضعف من رأيي حكم ظالم، فمن بدأ بالصلح وحاول أن يصلح الأمور علينا أن نساعده لا أن نلومه ونعزز فكرة أنه مُخطئ.

في بعض المواقف بل كثير منها، من يبادر بالصلح يكتشف مع الوقت انه تسرع وتنازل عن حقه، خاصة عندما يجد الطرف الآخر يتمادي. من رأيي ان المبادرة يجب أن تكون متبادلة، لأن المبادرة من طرف واحد دائمًا تُشعر الشخص مع الوقت بالاستغلال أو الظلم.

وفي بعض الاخطاء يكون التمسك بالحق والتعبير عنه بوضوح أهم للعلاقة واجدى من إنهاء النزاع بسرعة، لوضع قاعدة عامة لتوضيح الامور فيما بعد.

لكن الإنسان يستطيع الحوار وتقريب وجهات النظر ومحاولة الصلح دون أن يتخلى عن حقه أو يتنازل عنه، فلو هناك قضايا ومشاكل بين شخصين يمكن أن يذهب شخص للتحدث مع الآخر والمبادرة بالصلح دون أن يتنازل عن حقه.

بالطبع الاشخاص السوية يفهمون ذلك ، اذا كان الشخص يفهم ويدرك ذلك، لكن هناك بعض الرجال والنساء ايضا، يفهمن انه طالما أتي انه استسلم وانهم الطرف الفائز وتصبح تلك بدلا ما هي حل المشكلة ، مسافة اخري وضعت بينهم في وجهات النظر ، وفي مثل تلك الحالات احب تقديم مبررات للذهاب حتي لا يخدع الاخر بكبرياؤه او حتي يكون هناك وسيط حيادي لتقريب وجهات النظر.

أعتقد أن الحكم يختلف حسب الموقف، فلو كان مظلوماً والكل يعرف أنه مظلوم لا أعتقد أن من الحكمة أن ينهي الخلاف بل عين الحكمة والاحترام أن يؤجج هذا الخلاف ويحاول أخذ حقه، أما في الأمور الخلافية فتنازل الشخص فيها حكمة وقوة.

هذا ما يحدث عادة، بل أنه لو بادر شخص بالصلح يظن الآخر فوراً أن الأول ضعيف، أو نفذت حيلته أو لا يستطيع الاستمرار في المشاكل أكثر من ذلك، فحتى لو خبأ ذلك تأخذه نشوة الانتصار ويشعر أنه قام بإخضاع الطرف الآخر.

كثير من النزاعات تستمر لأن كل طرف ينشغل بإثبات أنه على حق أكثر من انشغاله بحل المشكلة نفسها. وهنا تتحول القضية من محاولة فهم أو إصلاح إلى معركة كرامة، وكلما طال الصراع زادت الخسائر النفسية أو العملية للطرفين.المبادرة بالصلح لا تعني دائمًا أن صاحبها مخطئ أو عاجز عن المواجهة؛ أحيانًا تعني ببساطة أنه أدرك أن الاستمرار في التصعيد لن يضيف شيئًا سوى مزيد من التوتر. فليس كل من يختار إنهاء النزاع ضعيفًا، بل قد يكون الأكثر قدرة على تجاوز منطق الانتصار والخسارة.ربما المشكلة الحقيقية ليست في من يبادر بالحل، بل في نظرتنا الاجتماعية التي تميل إلى تفسير التهدئة باعتبارها تراجعًا. بينما في الواقع، القدرة على إيقاف دائرة التصعيد قد تكون علامة على نضج في التفكير وفهم أوسع لعواقب الصراع.

أنتي وضعتي يدكي على جوهر المشكلة، للأسف في بلادنا الكثير مننا لم ينضج فكرياً بعد، وهذا ما يجعلنا نحول كل خلاف إلى معركة كرامة، وننظر لمن يبادر للحل على أنه الطرف الأضعف المتنازل، المشكلة أن هذه العقلية الصبيانية هي الغالبة على الوعي الجمعي، مما يدل على خلل في المجتمع سواء في التربية أو في التعليم، يجعل أغلب المجتمع لا ينضج حرفياً، لذلك يميل إلى الصراع الدائم وإثبات القوة

بالضبط كلامك صحيح ...ولذلك نشر الوعي في مجتمعنا بالتحديد شيء مهم جدا

دعنا نطرح مثال أخي يوسف، واحد من الجيران يسكن في الدور الأرضي، وهناك شخص يرمي القمامة تحت نافذته مما يجعل الروائح والأمراض سهلة الدخول للبيت، فقام بعمل محضر ضد الشخص الذي يلقي القمامة، فقام الآخر بتلفيق محضر له، هل سيستطيع الأول أن يبادر بصلح الثاني؟

هذا إعتداء على الأخر، وليس خلافاً بين أصدقاء أو زملاء، هناك فرق بين الخلاف والجريمة، والجريمة يعاقب عليها القانون والعرف

 منطق الانتصار والخسارة.

المشكلة أن هذا المنطق معدي، حالما يبدأ فيه طرف يجر الطرف الآخر فوراً إليه، وهو سلوك معدي وخطر لأن التراجع عنه من أي طرف يعني فوراً الضعف والهزيمة وليس التعقل والحكمة.

أعتقد أن الموضوع يتوقف على الشخص الذي بيني و بينه المشكلة. لو كنت أعرفه جيداً و بيننا عشرة جيدة فسأهدف إلى حل المشكلة، ولن يعنيني كثيراً ما يمكن أن يقال عني . أعتقد أن هذه المشكلة تحدث عندما لا يكون لدينا ثقة في الطرف الآخر و فيما يمكن أن يصفنا به بعد الصلح.

لكننا لو كنا سنهتم لكل وصف يصفنا به أي شخص نكون نتصرف حسب مزاجه هو وحسب قواعده هو وليس بحريتنا الشخصية، لو كنا نتعامل مع شخص يتصرف في كل أمر بمنطق الفوز والخسارة، نكون صغرنا عقلنا عندما نتصرف حسب منطقه هو.

يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر " الجحيم هو الآخرون" و يعني بذلك أن وجود الآخرين في حياتنا بالضرورة يودي إلى فقدان جزء من حريتنا للسبب الذي ذكرته هو أن أفعالنا تجاه شخص تتوقف على الصورة التي نريده أن يرانا بها .

حتي المراقب من بعيد سيظن هذا ايضا لان من الناظر ان يتنازل احد من موقف قوة سواء كان له حق ام لا ، لذلك هناك تلازم في الثقافة الشعبية بين كلمة طيب وعبيط

هناك تلازم في الثقافة الشعبية بين كلمة طيب وعبيط

كذلك هناك تلازم بين كلمة قوي، وعلى حق، فكل شخص يخاف أن يحاول التوصل لصلح حتى لا يقول أحد عنه ضعيف وعبيط، والكل يتمسك بالعند وزيادة المشكلة طمعاً أن يقال له قوي وعلى حق وفي النهاية المشاكل لا تنتهي، أذكر خبر قرأته عن صاحب محل دجاج يواجه الإعدام، قال أنه أثناء الخلاف بصق عليه الرجل الذي يتكلم، فدخل وأتى بسكين وطعن الباصق، وهو يتمنى الآن لو كان مسحها فقط.

المبادرة بالصلح ليست علامة ضعف، بل قوة.

الشخص الذي يختار إنهاء النزاع ويوقف دوامة الخسائر يمتلك رؤية أكبر وذكاء أعلى من الذي يتمسك بالتصعيد. القوة الحقيقية ليست في من يصر على الانتصار بأي ثمن، بل في من يملك الشجاعة لتجاوز الأنا وإنهاء المشكلة قبل أن تكبر وتدمر الجميع.

أتذكر مرة حصل بيني وبين أحد الأصدقاء خلاف كبير وصل حد الانقطاع، بعد فترة هو اتصل بي فجأة بعرض المصالحة، في البداية حسيت إنه يتراجع أو خاسر، لكن بعد ما تحدثنا بهدوء اكتشفت أن المبادرة منه خففت من كل التوتر وسمحت لنا نرجع علاقتنا طبيعية.

من التجربة دي فهمت أن المبادرة بالصلح ليست ضعف بل ذكاء وحكمة.

لكن يا أحمد من حسن الحظ أنه صديق مقرب لك لذلك عنى لك الكثير محاولته للصلح، لكن لو فعلنا ذلك مع غريب سيقول أننا نلجأ للصلح بسبب الضعف ونفاذ الحيلة.