الفكرة ليست فيما يجري من متغيرات، بل حتى الناس تغيرت، كل سفرة تفتقد فيها شخصاً إما قد توفي أو سافر، كل شيء ناقص، والصراحة كنت أعتقد أني وحدي من تشتكي من هذا لأن هذا رمضان الرابع لي أقضيه بمفردي وأفطر وحدي، ولكني تفاجأت بأن المعظم يشتكي حتى وإن كان معه الأهل يشعرون بأن هناك شيء ناقص، لا أحد يشعر بنفس الحماس ولا البهجة التي كان يشعر بها من قبل.

لاحظت أن الجميع يحن لرمضان في طفولته أكثر من أي وقت مضى. الأحداث تتسارع وهناك أشياء حزينة تحدث كما تفضلتِ ياسمين مثل فراق الأهل وسفر الأحباب، لكن أيضاً هناك نجاحات تحدث ومشكلات تحل وأمور تتعدَّل.

قد يكون السبب في عدم استعدادنا نفسيا لرمضان كما يفعل الأطفال بعمل الزينة وتعليقها وانتظار المسحراتي هو السبب وراء عدم شعورنا بروح رمضان

لكل جيل طريقته في الإحتفال، أنا أتذكر في طفولتي كانوا الكبار يتحدثون عن نفس الإستياء من أن رمضان تغير عن الماضي وكذا وكذا، لكنني لم اكن أستشعر ما يتكلمون عنه أبداً بل كنت أستمتع به جداً، أعتقد أننا نحن من ربطنا متعتنا وسعادتنا بالعادات التي أعتدنا عليها قديماً ولم نتعلم كيف نرى ما في حاضرنا من جماليات تجعلنا نستمتع نفس المتعة، أعتقد أننا نحن من ذبلت براعم تذوقنا كما عبر أحمد خالد توفيق

اعتقد كذلك الحنين لأيام لم نعيشها وعاشها أجدادنا أو عشناها نحن وصغار خاصة، هي ما تجعلنا نفضل مرحلة الطفولة بتفاصيلها، وكل جيل له منظور، فقد يكون طفل مواليد ٢٠١٩، يأتي هنا ويكتب أين أيام الجلوس على الهاتف بشكله القديم والاستمتاع فيديوهات الكارتون على يوتيوب، الطفولة والحنين إليها وإلى كل ما هو بسيط أحيانا يسيطر علينا، كذلك في نظرتنا لرمضان وكيف كان قديمًا وكيف الآن، رغم أنني غير متفقة مع تغيره، بل تغير الناس مثلما ذكرت وللآن توجد الاحتفالات القديمة بعاداتها والجديدة أيضا

أعتقد أننا نحن من ذبلت براعم تذوقنا كما عبر أحمد خالد توفيق

هذا عادة يحدث بسبب إلفنا للنعم المحيطة بنا.

لكن رمضان اختلف عن الأول فعلاً.. لو تكلمنا عن جانب واحد فقط وهو جانب الزينة.

الأول كنا نعملها بالكتب الدراسية القديمة ونستخدم الدقيق والماء كصمغ، ويعلقها الكبار في الشارع، الآن يتم شرائها جاهزة هذا إن تذكرناها أصلاً .. قد يبدو شيء بسيط لكن هذا الاستسهال طال أشياء كثيرة مثل الطعام والشراب والعادات، هذه الأشياء التعب فيها قديما كان بمثابة ممارسة السعادة

الحياة كلها تغيرت، الشوارع تغيرت، انت تغيرت، لم تعد هذا الطفل، لذا، أستمتع برمضان الجيل الجديد، وأنسى رمضان المرتبط بالجيل السابق وما فيه من إمكانيات تناسبه

الإنسان يقع أحياناً يا صديقي فريسة لعقله، يخيل لنا أن ما مضى كان أكثر سعادة فنتعلق به.. هي تلك الحالة من الحنين والنوستالجيا التي تسيطر على العقل.

الكثير من كبار السن مثلاً يتجاهلون كل المسلسلات والأفلام الجديدة ويرونها سخيفة لكنهم يحدقون باهتمام للشاشة إذا تم عرض فيلم أبيض وأسود لهم معه ذكرى معينة

أعتقد أننا نحن من كبرنا يا عبد الرحمن، مع تزايد المسؤوليات ومهام الحياة، تختفي بهجة رمضان للأسف.

آخر مرة أحسست ببهجة رمضان كانت في الإعدادية تقريبا قبل أن ادخل مرحلة الثانوية وأعيش رمضان وسط المذاكرة، ثم الجامعة نفس الشيء، وبعد التخرج صرت أعيش رمضان وسط العمل والضغط

الأمر ليس متعلقا بالعادات ولا مظاهر الاحتفال ولا البهجة، بل متعلق بنا نحن وضغوطنا ومشاكلنا، التي تغطي على بهجتنا الطفولية.

المهام تزايدت بالفعل يا أحمد، والهموم كذلك، في طفولتنا كان لدينا مسؤوليات أيضاً ومخاوف، أذكر أن المدرسة الابتدائية كانت تسبب لي الرعب أحياناً رغم ذلك كنت أعيش بسعادة واستمتع برمضان والعيد وحتى شم النسيم. أظن أن هناك أسباباً أخرى لهذا التغير يخص ما نفعله لاستقبال هذا الشهر

أتقارن مسؤوليات الطفولة ومخاوفها بمسؤوليات الحاضر وهمومه يا عبد الرحمن؟ الفارق كبير جدا، أكنا نعرف ونحن صغار الاكتئاب وانخفاض الدوبامين والأهواء الشخصية والمشاكل المادية أو العاطفية، الوضع مختلف جدا يا عبد الرحمن

مسؤوليات الطفل مثل مسؤوليات الكبار بالضبط يا دكتور وأحياناً تفوقها، فهو لديه مخاوفه وهمومه التي تناسب سنه، أذكر أن بطني كانت تؤلمني من التوتر وأنا أحضر حصص الرياضيات وان يكون هناك تسميع جدول الضرب مثلاً.

أكنا نعرف ونحن صغار الاكتئاب وانخفاض الدوبامين والأهواء الشخصية والمشاكل المادية أو العاطفية،

كان لدينا كل ذلك يا صديقي وأكثر، الطفل يشعر بكل شيء. الفكرة أن الطفل يعاني من الشيء دون أن يسميه انخفاض دوبامين أو اكتئاب أو غيره.

وكذلك هو أكثر من يشعر بالفوارق المادية فهو دائم المقارنة في عقله بينه وبين زملائه

مؤخراً هناك طفلة انتحرت بالقفز من شباك الفصل بسبب التنمر من زميلاتها

بهجة رمضان تحدث بالبساطة والروح.

هذا حقيقي، فالتكاليف الباهظة لا تضمن سعادة أكبر، فمثلاً لو أحضرنا أصناف كثيرة من الطعام ولكن لم نتشارك الإفطار كما يجب أو كان هناك خلافات وشجارات لن يكون للطعام قيمة.

لكن ماذا تقصد بالروح ؟

الروح، الجو العام، وما يخص رمضان من عبادة وعيادة البعض البعض.

أخشى أنّ هذه الأيام والاحتفالات الحالية التي نقارنها باحتفالات الماضي، سنحن إليها في المستقبل. أعتقد أن رمضان يجب أن يُعاش داخليًا قبل أن نبحث عنه في العادات والطقوس، ولتصنع كل عائلة أو حتى كل شخص رمضانه بنفسه.

هذه الطقوس تمثل بالنسبة لي تهيئة للنفس لاستشعار قدوم الشهر، أحياناً الاحتفال يبدأ بمبادرة بسيطة منا ثم بعد ذلك نشعر به.. ليس دائماً نشعر به من تلقاء أنفسنا.

وربما نحن كبرنا فلقد فقدنا نفس البهجة للعيد و لبداية السنة ولزيارات الضيوف وليوم الاجازة