الشخص الفقير الذي يستلذ بفقره ويعتز به كأنه شيء يجعل منه صاحب للمكارم والأخلاق وأنه لم يسلك سبيل خاطئ ويزم في غنى الأشخاص ويربط فكرة غناهم بأنهم أنحرفوا عن الصواب، هؤلاء حقاً اشمئز منهم لدرجة كبيرة، فلا عيب بالطبع ان يصبح المرء فقيراً ولكنه غني في نفسه وفي أفكاره يسعى من أجل أن يجلب رزقه ويكف نفسه عن غيره ويحسن من معيشته، فلا أعلم متى أصلاً بدأنا نعزز الفقر ونؤيده حتى نسكت ضمائرنا عن السعي ونظل كُسالي لا نسعى لا شيء، فالغني يزداد غنى والفقير يزداد فقراً، أنا عن نفسي أدعو الله دائماً: اللهم أغنني من فضلك وكرمك فلا أصلح للفقر ولا يصلح الفقر لي.
هنا يظهر خطأ التعميم القائل بأن الغني أخلاقي دائمًا، والفقير أقل أخلاقية: هذا التوصيف غير دقيق، ويصنف البشر بشكل مبسط قد يصل إلى تحيز اقتصادي أو اجتماعي. الحقيقة الواقعية هي أن كل شخص — غني أو فقير — يمكن أن يكون أخلاقيًا أو غير أخلاقي، والمال لا يحدد قيمة الإنسان ولا صدقه.
صحيح يا أيمن؛ وأنا ذكرت أن الغني (أكثر صدقاً) في تخلقه لأنه نابع عن اختيار لانه يملك أن يتخلق أو أن ينحط عن الإخلاق أما الفقير فلا نعلم ماذا يمكن أن يحدث له لو اغتنى! يعني الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله كانت له مقولة شهيرة يقول فيها: الفقر حشمة! يقصد أن الفقر قد يجبر بعض أصحابه أن يظلوا أخلاقيين أو غير منحرفين لانهم مضطرون لذلك أما من يملك الخيارين ويختار عنصر الأخلاق فهو المتخلق الحقيقي....
أفهم الفكرة، لكنّي أتحفّظ على ربط الأخلاق بالقدرة المادية وحدها.
أحيانًا يكون الفقر قيدًا، وأحيانًا يكون المال قيدًا أيضًا.
بعض الناس لا يستقيم إلا إذا ضُيّق عليه، ولو أُطلق له المال أفسد وتجبّر،
وبعضهم لا يستقيم إلا إذا أُمِّن، لأن العوز قد يدفعه للجريمة أو الانكسار.
فالمعيار ليس الغنى ولا الفقر، بل الاختيار حين تتغيّر الظروف.
من بقي على خُلُقه حين امتلك القدرة، أو حين اشتد عليه الحال،
هو المتخلّق حقًا.
والله أعلم بالقلوب والابتلاءات.