ربما لأننا نربط قيمتنا كبشر بكوننا على صواب. لذلك، عندما يصارحنا أحدهم بخطئنا، نحن نسمع مثلا "لقد أخطأت في هذا التصرف"، ويترجمها العقل "أنت شخص ناقص وفاشل".. ولا أعتقد أن هذا فطري بالضرورة، بل هو مكتسب من تربية ومجتمع يقيس قيمة الإنسان بإنجازاته وصوابيته، لأننا نرى أيضا متصالحين مع أنفسهم وانسانيتهم لا يرون النقد هجوما، بل يرونه هدية.. فرصة مجانية ليروا أنفسهم من زاوية لم يكونوا يروها من قبل..

ربما لأننا نربط قيمتنا كبشر بكوننا على صواب

هذا حقيقي، ويحدث كثيراً وأرى أن هذا هو سبب معظم الجدالات فكل طرف يريد أن يثبت أنه على صواب لأن هذا في وعيه أنه أكثر قيمة.

إضافة للسبب الذي تفضلتِ به

أحياناً يكون السبب شعور بتطفل الآخرين في الأمور الشخصية، فالنصيحة لها آدبها التي يغفل عنها الكثيرون مما يجعلهم في وقت تقديمها يظهرون بمظهر سيء.

قد نكره أن نكون على خطأ لأن الخطأ مكلف، فلو أخطأنا في العمل فنحن نستحق الجزاء والخصم، ولو أخطأنا في علاقة شخصية فمطلوب مننا الآن اعتذار وفي المستقبل سيكون هذا الخطأ كدليل ضعف وعدم سداد في الرأي ونخسر جدالات مستقبلية بسببه.

مجتمع يقيس قيمة الإنسان بإنجازاته وصوابيته

من يحرص على إنجازاته وصوابيته سيقبل المصارحة بأخطاءه حتى يحسن من نفسه، لكن تحسين النفس عملية شاقة ومكلفة، لذلك ربما يخدعنا عقلنا اللاواعي ويجرنا ناحية الراحة ويجعلنا نفضل أن نحافظ فقط على مظهر الصوابية ومظهر الإنجاز ونكره النقد لهذا السبب.

اي هناك مغالطة نقع فيها جميعا.. وهي اعتقادنا أن إخفاء الخطأ سيوفر الكلفة. في الواقع.. إخفاء الخطأ هو مجرد تأجيل للكلفة مع فوائد تراكمية مدمرة. التهرب من النقد اليوم يجعلنا ندفع الثمن مضاعفا غدا عندما يتحول الخطأ البسيط إلى فشل كارثي لا يمكن تداركه..

دعنا نكون أكثر صراحة، من منا يحب أن يتعرض للنقد؟ صدقني لا أحد ابداً، فكلنا مهما كنا نعلم حجم هذا الخطأ داخلنا أو هذا العيب، ولكننا ننكره حين تعرضنا للنقد، أو على الأقل الاستياء من النقد نفسه، لأن لا أحد يريد أن يبروز احد عيوبه، أو يضعها أمام عينيه مع وضع خطاً تحتها.

فالنقد قد لا يكون نقداً سلبياً بقدر ماهو مفيد ، ولكن يفرق كثيراً أسلوب الشخص الناقد، ومكانته للشخص الذي ينتقده، وهل اختار الوقت المناسب لينصحه، وهل هذا الشخص حقاً قد يغير هذا النقد شيئاً فيه أم لا، ولكننا نتجاهل مع الأسف كل تلك العوامل، ومن رأيي لو ركز كل شخص في نفسه عوضاً عن نقد غيره سيكون أفضل لنفسه ولغيره.

كثير من الناس يخالفون هذه البديهيات فعندهم قوة نفسية أو عقلية مختلفة عن الأفراد العاديين، فمثلاً:

قال عبد الملك للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه فعب نفسك قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتفعلنّ. قال: أنا لجوج حقود حسود..

اعترف الحجاج بأشد العيوب ببساطة دون تجميل وظل مخلصاً للخليفة عبد الملك حتى مات..

المصدر: كتاب الطبائع والأخلاق المذمومة، ص 12.

الحقيقة أنا لا أكره مطلقاً أن يصارحني أحد بأخطائي الشخصية؛ وليست هذه مثالية مني ولكنها الحقيقة التي اعرفها من نفسي. وعزائي في ذلك أنه ليس منا من هو مبرأ من العيوب وكما قال المسيح عليه السلام: من لم يخطئ منكم فليرمها بحجر! الحقيقة أيضا أنني لا أعلم هل أصبحت هكذا لأنني أصبحتُ أنضج عن ذي قبل أم أنني هكذا كنت وما زلت.

لكن البعض يستعمل هذه الاستراتيجية حتى يضمن مكاسب شخصية من الشخص الذي يصارحه بعيوبه ولو بطريقة لطيفة، فمكاشفة العيوب تضع صاحب العيب في موضع النقد ومحاولة الإصلاح، وهو ما قد يستغله البعض لأي مكسب مادي أو معنوي.

لو صارحنا شخص عصبي أنه عصبي وتقبل ذلك قد يجعل ذلك مخرج لنا لو أخطأنا معه فنضمن السيطرة على رد فعله أو تحميله الخطأ كمثال.

اكثر الاشياء التي ساعدتني على التطور والتغيير في شخصيتي، هي هذه الفكره بانك يجب ان تتقبل اراء الاخرين حتى ولو كانت مشحونه بغضب او انتقاص خفي، انت في النهايه قد تكون مقتنعا لاقصى درجة بافكارك، ولكن لعلك اخطأت في بعض الزوايا او فكرتك في امر ما لم تكتمل بشكل نهائي بعد، لازالت سطحيه، هنا عندما اجد من ينتقدني ابدأ في الحوار معه لاستكشاف وجهات نظره والمقارنة بينها وبين افكاري وهذا النقاش هو من يكشف اينا على صواب، او على الاقل يجعلنا نستطيع ان نعي كل مننا ناقش الامر من اي زاوية، او قد ينبهني لخلل في شخصيتي لم اصلحه بعد، هذا المفهوم من مقتضيات التواضع من وجهة نظري، فكيف تكون متواضعا وانت لا تتقبل اراء الاخرين فيك، لكن ايضا احيانا يعارضني شخص في افكار علمية في مجال تخصصي مثلا، او دراستي، وبمجرد سماع افكاره او ردوده ادرك انه فكرته عن الامر سطحية جدا وعامة، ولذلك هنا اتقبل رأيه واسمعه للنهايه لكن اتركه دون تعليق، هذه في النهايه هي الطريقه الصحيحة التي ارى انها تعصمك من التكبر او الربط بين اراءك وهويتك، عندما تعتاد على هذه الطريقة ان تنتزع هذا الشعور بالغضب عندما ينتقدك احدهم

لكن ليس هناك ما يقول أن الآخرين محقين في توجيه النقد الشخصي لنا، فقد يكون هذا فهمهم أو زاوية نظرهم الشخصية، وقد يوجهون لنا اللوم على الخطأ للوصول لغرض خفي مثل تزكية نفسهم على حسابنا، أو لتبرير سلوك معين منهم.

علم النفس يفسر هذا بان عقلنا يربط كشف اخطائنا بتهديد لصورتنا الذاتية فتنشط اليات دفاعية مثل الانكار والمقاومة لحماية النفس ولذلك تتفوق الاستجابة العاطفية على المنطق فنشعر بالهجوم ونتخذ موقفا دفاعيا تجاه من ينبهنا

هذا حقيقي قد ننظر للخطأ أنه تهديد للصورة الذاتية، لكن من الغريب أن العقل يتخذ ذلك الطريق ليحمي نفسه، بدل أن يأخذ طريق آخر: نعم أنا مخطئ ولا يهمني فكل الناس تخطئ، أو نعم أنا مخطئ ومازالت قيمتي لم تتأثر برغم خطأي، أي لا يربط الصورة الذاتية والقيمة بالخطأ، لماذا تندر هذه الاستجابة برأيك؟

وفي هذه الحالة لن تفرق معنا نبرة ولا طريقة تنبيهنا عن خطأنا

طبعا تفرق يا صديقي، لا أحد يحب أن يشير شخص إلى عيوبه بطريقة وقحة، حتى وإن كنت أكثر الناس تسامحا مع نفس ومدركا لأخطائي وأعرف كل تفصيلة فيّا، فلا أعتقد أنني ساكون متسامحا إذا ما ذكر أحد عيوبي بطريقة تعالي أو نظر إليّ بدونه وهو يتحدث عن أخطائي أو أشار لها بطريقة وقحة ..

لماذا نبرة النقد مهمة أكثر مما لو كان النقد على صواب أو خطأ؟

كلام سليم

انا كنت اكره الانتقاد أو أن يصارحني أحد بأخطائي أو عيوبي عندما كنت أقل خبرة و نضج لكن لما زاد الوعي و النضج عندي صار الأمر عادي عندي عندما ينبهني أحد عن خطأ عملته أو تصرف لم يكن صحيح من قبلي خاصة و انا التي أصبحت تسعى لأصلاح كل العيوب و نجحت إلى حد ما و ان شاء الله انجح في إصلاح ما تبقى

لكن ليس مطلوب من الإنسان أن يكون خالي من العيوب، فطالما نحن بشر سنظل نخطئ، وربما من يوجه لنا النقد لابد أن يكون هو نفسه خالي من كل العيوب أولاً وإلا ما الذي يعطيه الحق لتوجيه نقد لنا؟

احسنت صحيح كلامك ،لا يوجد انسان خالي من العيوب لكن يجب أن نحاول التخلص منها أو تحسينها في رحلتنا نحو تزكية أنفسنا و لا يوجد انسان خالي من العيوب

إذاً برأيك يمكن أن يكون للإنسان عيوب ومع ذلك يوجه غيره نحو عيوبه الخاصة؟

صديق لي منذ سنوات قرر الدخول لمجال الكتابة، كتب قصة وقرر إرسالها لجروب أدبي اسمه "المفرمة"

فكرة الجروب أنهم يقولون رأيهم في القصص المرسلة بمنتهى الصراحة والصرامة والقسوة أحياناً، وطبعاً انهالت الآراء السلبية على صديقي وقتها، ولكن هذه الخطوة على صغر وقتها طورته بشكل كبير، رغم أنه بعد التجربة قرر ألا يكمل في الكتابة، لكنه تراجع واستمر، وبقت هذه التجربة نقطة مضيئة في تطوره في الكتابة لأنه تعلم منها الكثير.

لذا فنحن لا نكره دائماً أن يشير أحدهم إلى اخطائنا، بل عندما نعي ما سيعود علينا بالنفع نطلب ذلك، كما فعل صديقي الذي كرر التجربة كثيرا فيما بعد لما لمس آثارها الإيجابية.

لكن أحياناً كثيرة يكون من الجيد معرفة النقاط الإيجابية لإكمال البناء عليها، أما معرفة النقاط السلبية فقط ستعرفنا الخطأ وتجعلنا نتجنبه لكن لن تقول لنا ما الصحيح حتى نستثمر فيه، ما الأكثر فائدة برأيك على المستوى الشخصي والمهني؟

النقد هو معرفة الغث من الثمين

لذا ممارسة النقد بشكل صحيح تعني ذكر الإيجابيات والسلبيات.

ونقاط القوة والضعف.

وكلاهما مفيد، لا يوجد جانب أفضل من الآخر في نظري.

لكن بشكل شخصي لا أحب النقد اللاذع أبداً

الأخطاء والعيوب جزء لا يتجزأ من طبيعتنا البشرية، ورغم ذلك نجد أنفسنا نميل إلى إخفاء سلبياتنا ورفض النقاش فيها وإبراز إيجابياتنا أمام الآخرين. نحن نسعى للثناء ونحجم عن النقد، مما يعكس رغبتنا في أن نُرى بأفضل صورة. لكن، هل هذا التصرف يعكس حقيقتنا أم مجرد قناع نختبئ وراءه؟"

اعتقد أنه يعكس المصلحة المباشرة، السمعة والشهرة أننا مصيبون حكماء أقوياء ومحبوبون ترجع علينا بمصالح وتسهل علينا خطوات كثيرة، لكن على العكس من ذلك في مجتمعنا السمعة بأننا مخطئون عصبيون مهملون تجعل من الحياة أكثر صعوبة.

فعلا صديقي والسمعة شرط يفرضه المجتمع، والحاجة إليها أو الرغبة فيها دافع قوي قد يدفع البعض للحصول عليها دون استحقاق، فأضحت مجرد واجهة زائفة."

فعلى مر العصور كان المصلحون يتعرضون للأذى والاضطهاد وربما القتل.

نعم يا عزيزي هذه حقيقة يقطنها الكبر والعجب والغرور.

ويزداد الأمر سوءاً إذا كان الأسلوب غير مستقر ويتعمد الإهانة أو الترفع، أو يكون فاضحا لا ناصحا، مشوها لا يقصد التطوير.

تعديل الأخطاء مؤلم .. والاستمرار على الطريقة نفسها مريح .. فلذلك من مقاصد الإنسان الإساسية الهروب من الألم ..

كما أن نقد الإنسان نقد لذاته وصفاته واختياراته ووصف لها بالسوء .. فكأنه هجوم يضطر فيه الإنسان الدفاع عن نفسه ..

لكن تخيل لو قلت لإنسان: عملك السابق ممتاز .. ولكن المرحلة القادم تتطلب عملاً مختلفًأ لتستمر في إبداعك .. أعتقد أن الأمر الثاني سيزول وهو مسألة الهجوم .. لكن سيبقى ثقل التغيير حاضرًا ..

فهذه الطريقة من وسائل تخفيف النقد على الطرف الاخر وتسهيل التغيير عليه ..

 تخيل لو قلت لإنسان: عملك السابق ممتاز .. ولكن المرحلة القادم تتطلب عملاً مختلفًأ

لو تخيلنا أننا كلنا أصبحنا نقبل النقد ببساطة لما احتجنا للمداورة ولوجود مناهج كاملة تشرح كيفية توجيه النقد بدون إثارة حساسية الطرف الآخر، وهو الشيء العجيب أنه لم تتوجه هذه المناهج لترسيخ قبول النقد، بدل من التفكير في مداورته والالتفاف حوله.

الشخص المثقف الواعي الذي يستطيع أن يتعامل مع العلاقات بحرص دون أن يفقدها، لا يتعرض لهذا الشعور. بالعكس، فهو يفرح لأن هناك أحدًا علّمه بأخطائه، والسبب بكل بساطة أن عقله عقل نقدي.

لماذا نكره أن يصارحنا أحد بأخطائنا الشخصية؟ سؤال عميق ويتعلق بالكثير من الجوانب النفسية والاجتماعية. بشكل عام، يمكن تلخيص الأسباب في النقاط التالية:

* **تهديد الصورة الذاتية (الأنا):** معظمنا يمتلك صورة إيجابية عن نفسه. عندما يواجهنا شخص بأخطائنا، فإن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا لهذه الصورة، مما يجعلنا نشعر بالنقص أو عدم الكفاءة.

* **الشعور بالخجل والإحراج:** الاعتراف بالخطأ أمام الآخرين يمكن أن يكون تجربة محرجة للغاية، خاصة إذا كان الخطأ يتعلق بجانب نعتبره مهمًا في شخصيتنا.

* **الخوف من الحكم والرفض:** نخشى أن يؤدي الكشف عن أخطائنا إلى أن يحكم علينا الآخرون بشكل سلبي أو أن يتم رفضنا من قبلهم، سواء على المستوى الشخصي أو المهني.

* **آلية الدفاع النفسي:** غالبًا ما نميل إلى تبرير أفعالنا كآلية دفاع لحماية أنفسنا من الشعور بالذنب أو عدم الراحة. المصارحة بالأخطاء تجبرنا على مواجهة هذه المشاعر غير المريحة.

* **طريقة النقد نفسها:** أحيانًا لا تكون المشكلة في النقد بحد ذاته، بل في الطريقة التي يتم تقديمه بها. إذا كان النقد قاسيًا أو مهينًا أو تم تقديمه أمام الآخرين، فمن الطبيعي أن تكون ردة فعلنا سلبية.

باختصار، الكراهية للمصارحة بالأخطاء هي مزيج من حماية الذات، والخوف من العواقب الاجتماعية، والمشاعر غير المريحة التي تثيرها هذه المواجه