في رأيي، الشجاعة لم تختفِ فجأة، لكنها تآكلت مع الوقت.
الخوف أصبح أقوى من المبدأ، والتنصل من المسؤولية أسهل من دفع ثمن الموقف، والأنانية صارت مبررًا جاهزًا للصمت.
كثيرون يرون الظلم بوضوح، لكنهم يختارون السلامة لا الحق، والحياد لا العدل، وكأن المشكلة لا تعنيهم ما دام الدور لم يصل إليهم بعد.
وحين يغيب الإحساس بالمسؤولية الجماعية، يتحول الصمت من ضعف فردي إلى ظاهرة عامة، وتُدفن الشجاعة تحت مبررات مثل: “مالي وماله” و“لن يغيّر شيء”.
المؤلم أن هذا الصمت لا يحمي أحدًا، بل يؤجل المواجهة فقط.
لعلّ ما نشهده اليوم ليس فقدانًا تامًا للإنسانية، بل إنهاكٌ لها. فقد أثقلت الضغوط الحياتية، وتسارع الأحداث، وكثرة مشاهد العنف كاهل الإنسان، حتى بات الصمت عند البعض وسيلة للهروب لا دلالة على القسوة. كما أن الخوف من العواقب، أو من التدخل الخاطئ، جعل كثيرين يفضّلون السلامة على المسؤولية.
غير أن اعتياد الظلم لا يجعله مقبولًا، والصمت لا يبرّره. فالتعاطف والتدخل الواعي، ولو بالكلمة أو طلب المساعدة، يظلان جوهر الإنسانية ومعيارها الحقيقي. ومتى ما فقد الإنسان إحساسه بالآخر، فقد شيئًا جوهريًا من إنسانيته، مهما كانت مبرراته.