أرى أن ما ذُكر يعكس جانبين حقيقيين من معاناتنا ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فصعوبات الحياة القاسية كالفقد، والفقر، وتحمل المسؤولية وحدها، تترك أثرًا نفسيًا وجسديًا عميقًا، ولا يمكن التقليل من ثقلها. وفي الوقت نفسه، فإن نظرة المجتمع وضغوطه المستمرة تزيد الجرح عمقًا، وكأن المرأة لا يُسمح لها أن تتألم بصمت دون أن تُحاسَب على واقع لم تختره أحيانًا. أظن أن أصعب التحديات هو اجتماع الألم الداخلي مع الحكم الخارجي، حيث تُطالب المرأة بالصبر والقوة، بينما تُحاصر بالتوقعات والانتقادات.
برأيي كان هذا الكلام صحيح في الماضي عندما كانت المرأة تأبه أكثر للمجتمع، وعندما كان المجتمع يتدخل بكل كبير في الزواج والإنجاب والطلاق.
لكن الآن المجتمع متفكك ولا أحد يأبه لأحد وأصبح الناس يهتمون بشؤونهم بدرجة كبيرة، وبالنسبة لصعوبة تربية الأولاد كأم منفصلة، فهي نفس الصعوبة التي تواجه الأب المنفصل، بل ربما الأب يواجه صعوبات أكثر.
حتى مع التفكك الاجتماعي الأحكام لم تختفِ بل أصبحت أكثر حدة لكن بشكل صامت أو بطريقة غير مباشرة من خلال المقارنات. المرأة قد لا تسمع كلام مباشر لكنها تشعر بنظرات الناس لها. أما تربية الأولاد صحيح الأب يواجه صعوبات ويمكن أكثر من المرأة لأنه لم يعتاد على القيام بدور الأم على عكس الأم هي معتاده على القيام بدورها وبدور الأب وايضا الخروج للعمل. الأب مرفه
لكن في هذه الحالة ستكون المشكلة في المرأة لأنها تهتم بهذه النظرة وهذه الهمسة، كل المجتمعات الشرقية والغربية فيها انتقادات على اختلاف مواضيع الانتقاد، لكن الحساسية الزائدة تجاه المجتمع هي المشكلة في هذه الحالة.
المرأة ليست آلة حتى تتجاهل كل نظرة أو تعليق. التدخل في حياة المرأة في مجتمعنا العربي كبير جدا. ليست المشكلة أنها تهتم بل المشكلة أن المجتمع يكرر نفس الانتقادات بشكل يومي وهذا وحده كفيل بأن يرهق أي أحد. فلا يصح أن نحمّلها المسؤولية وحدها ونقول إن حساسيتها هي السبب.
وفي المجتمع الغربي نفس المشكلة، واللافت للنظر أن أكثر من ينتبه للنساء هن النساء، فالمرأة هي أكثر من تتحدث عن المرأة وعن حالاتها وزواجها وطلاقها وعملها وإنجابها من عدمه!!
بالعكس تمامًا، اليوم كل شخص يضع أنفه في حياة الآخرين أكثر من أي وقت مضى، خاصة في الأرياف حيث ما زالت النظرة التقليدية للمرأة والزواج والطلاق قوية جدًا، وأي خطوة تُتخذ تصبح موضوع نقاش جماعي مجاني.
كما أنني بصراحة لا أعتقد أن عبء تربية الأطفال متساوي بين الأم والأب في معظم الحالات، فالواقع يقول إن المسؤولية النفسية واليومية والمالية كثيرًا ما تستقر على كتف الأم وحدها، بينما يُمنح الأب هامشًا أوسع للحركة حتى لو كان منفصلًا. المجتمع تغير نعم، لكنه لم يصل بعد لمرحلة لا أحد يهتم، بل ربما زادت الأحكام بدل أن تقل.
الغريب يا بسمة أن الأمهات حالياً يحتفظون بالأولاد بعد الانفصال كنوع من التعنت مع الأب وحرمانه من أولاده لكيده وهزيمته، رغم أن تربية الأولاد أمر شاق، لا يسمحن للأب برؤية أولاده.