المقولة نفسها استوقفتني، وكأن هناك تعارض بين الاثنان، في حين الواقع الذي نعيشه الآن يفرض علينا الاستكشاف طوال الوقت بل أصبح هناك زخم ومبالغة ربما لو ركزنا عليها باستمرار أثرت على أدائنا بالسلب، انظري حولك في مجال الذكاء الاصطناعي مثلا كم برنامج وكم أداة لو الشخص منا ركز على استكشاف ذلك سيجد نفسه تائها ويؤثر سلبا على أدائه، لذا من الذكاء أن أكون فضولي واستكشف وأتأمل ولكن بما يخدم أهدافي وعملي، بحيث كل ما استكشفه يكون ذات صلة والمهم ألا يكون عملي فأر تجارب لكل ما استكشفه، هنا يحكمني العقل وابدأ بالتجربة على نطاق ضيق جدا وربما شخصي وبعد التأكد أنطلق للتجربة بعملي لأرى النتيجة بحيث لا أخاطر بسمعتي.

لا يوجد تعارض بينهما وإنما تسليط الضوء على ضرورة الخروج من منطقة الراحة، وعدم الاكتفاء بما أجيده وتمكّنت منه. البعض يتجاهل أهمية التطوير ومواكبة سوق العمل وما يفرضه من تطلعات دائمة منه تتفوق على ما تقدمه أدوات الذكاء الاصطناعي. التحرك هنا يتطلب وعيًا بما ينقصني وسرعة في اكتسابه، دون التركيز فقط على مزيد من الإنتاجية والأداء.

ما ذكرته خطوة مدروسة لإدخال تلك المهارات إلى نطاق عملك:

ابدأ بالتجربة على نطاق ضيق جدا وربما شخصي وبعد التأكد أنطلق للتجربة بعملي لأرى النتيجة بحيث لا أخاطر بسمعتي.

هل لديك تجربة سابقة في تطبيقها؟

أعتقد أن هذا يرجع للعمل وطبيعته، فمثلًا الكثير من الوظائف الحكومية تسير بطريقة ونمط معين ولا يمكن للموظف أن يقوم بالتطوير أو تطبيق منهج أو طريقة جديدة من تلقاء نفسه دون أمر وتعليمات من الحكومة نفسها، كذلك العمل بالشركات والقطاع الخاص باختلاف نقطة أنه يكون للموظف مساحة قليلة من الحرية، هؤلاء الموظفون تكون قدرتهم على التطوير داخل بيئة العمل محدودة، بينما في رأيي أكثر فئة يمكنها التطور والتطوير كما تريد هي فئة المستقلين ومن يعملون بمشاريع وأعمال خاصة بهم.

المستقلون يواجهون هذه التحديات أيضًا، ولكن بشكل نسبي. فعقلية العميل واحدة، أيًا كان مسماه، يحتاج إلى الاقتناع بالقيمة التي نقدمها حتى يضمن تحقيق النتائج. برأيك كيف يكتسب المستقل الثقة التي تجعله يبادر باقتراح تنفيذ مهام جديدة لا سابقة أعمال تثبت تمكّنه منها دون المخاطرة بإنجازاته السابقة؟

أسلم طريقة في رأيي هي عرض الفكرة بطريقة جيدة ولطيفة تظهر المميزات على العميل بدون محاولة إجباره عليها وترك الخيار له.

صحيح، مع الأخذ في الحسبان ألا تؤثر المهارات الجديدة على نقاط القوة التي يثق بها ويُفضلها عملاؤك في خدماتك. فالأفضل أن تكون هذه المهارات إضافية تكمّل ما تقدمه، مع ضرورة توضيح كيف سيستفيد العميل منها فعليًا. أجد هذه الطريقة خلال وقت قصير تمكّنا من الارتقاء بمستوى الخدمة التي نقدمها بشكل أكثر ثقة وكفاءة.

الا يمكن أن يكون تركيزنا على الأداء هو نفسه الباب الاستكشاف والتجربة؟ يعني بشتغل ومن خلال خبرتي بالعمل بجرب واكتشف، أحيانا الخبرة العملية من الممارسة تكون أفضل من الدراسة النظرية، والدورات الجاهزة.

النقطة الفاصلة هنا أننا حين نعمل فقط بهدف الإنجاز، فنحن نعيد إنتاج ما نجيده بالفعل، بينما حين نخصص وقتًا للتجريب والاكتشاف، نفتح بابًا للتطور لا يتيحه الضغط الدائم على الأداء.

على سبيل المثال، شركة جوجل تخصص وقتًا أسبوعيًا للموظفين للتفكير في أي شيء خارج إطار مهامهم الروتينية، لإعطاء مساحة أوسع للابتكار، وهو ما نتج عنه منتجات مثل الجيميل. إذا فكرنا بنفس الطريقة، يمكننا إعادة التفكير في طريقة عملنا اليومية، والتساؤل عن كيف يمكننا أن نخلق لأنفسنا مساحة مشابهة وسط زحام المهام اليومية؟

للأسف هذا يتوقف على حجم عملك أو مؤسستك

فكلما كانت حجم المؤسسة أكبر وأكثر استقرار كان تقبل العميل أكثر لأى فكرة جديدة حتى ولو لم يستخدمها

والعكس هو ما يكون عقبة لللبعض ،، فمثلا عندما تريد شركة ناشئة فى مجال ما وتضع شكل مختلف نسبيا عن السوق وتحاول أن تقنع بع العميل يقابل بمعاملات تقلل من قيمة المعاملة بأشكال مختلفة

أختلف معك قليلًا فيما ذكرته، فالمسألة في جوهرها عقلية أكثر منها حجم عمل. هناك شركات ناشئة، رغم صِغرها، منفتحة وتمنح فريقها مساحة آمنة لتجريب ممارسات جديدة -قد تنعكس إيجابًا على النتائج- طالما المخاطرة محدودة.

جربت ذلك بنفسي مع أحد المشاريع غير الربحية أثناء إدارتي حملة إعلانية لإحدى دوراتهم التدريبية للمرة الأولى، فرغم أن خبرتي الأساسية كانت في كتابة المحتوى، لم يكن عندهم مانع من أن أتابع إطلاق هذه الحملة، بعدما تعلّمت الأسس اللازمة لأقوم بها بنفسي بالتأكيد. وهنا وجدت أن ثقتهم فيما أقوم به بالأصل هي ما شجعّتهم على إعطائي هذه المساحة، لا سيما وأن المخاطرة لم تكن عالية فيما يخص الميزانية.

لذا أرى من واقع تجربتي، يمكن حتى للمؤسسات الصغيرة أو المستقلين أن يغيروا أو يضيفوا على أسلوب عملهم ضمن نطاق آمن، كأن يختبروا فكرة جديدة على عينة محدودة من العملاء، أو يطبقوها على مشروع تجريبي قبل تعميمها.

أنا لم اتكلم عن علاقة المؤسسة بفريق العمل

وما قلتيه لا اعترض عليه خصوصا أنك قلتٍ السبب وهو أن المخاطرة محدودة ، وهذا لا يحتاج لتأكيد منك لأن معظمنا جربه

هناك مؤسسات كبيرة لا تسمح بالتحرك إلا في إطار محسوب من كل شيء بطريقة تخلق جو من التقيد والتحكم، وهنا تتمايز بيئات العمل على اختلاف أحجامها وأنواعها. لذا تطرقت مباشرةً إلى أن جوهر المشكلة "عقلية". في كل الأحوال، التجربة والاكتشاف لا بد أن يكون في سياق محدود لا يؤثر على القيمة الأساسية، فلن تتحمّل المؤسسات حماس العاملين معها.

تمام ،، لكن من خلال خبرتى دائما هناك عدم تفهم كامل من الموظفين بأن المؤسسة لها معطيات تتعامل على اساسها وليس كل مقترح وحماس مهما كان جيد يمكن تطبيقه

لا نستطيع أن نقول "كامل" طالما هناك أسباب لتأجيل المقترح أو استبعاده. مع أن ليست جميع المقترحات قابلة للتطبيق بكل تأكيد.

ولكن المستقل أو الشخص الذي يعمل بمؤسسة، ليس ملزمًا بمساحة واحدة لتطبيق مهارته التي اكتسبها، المجالات لذلك واسعة. إذا كنت أعمل في شركة لا توفر لي مساحة لتعزيز مهاراتي الجديدة، أستطيع تطويرها في مشاريع جانبية. وإذا كنت مستقل، فالعميل الذي لا يرحب بالإضافة التي أقدمها له على خدمتي الأساسية، سيستفيد منها ويرحب بها غيره. المهم أن أظل في تطور وتقدم دائم يخدم مساري المهني، وستتواجد الفرص بدون شك.

أظن أن التوازن هنا في الجرأة المحسوبة، لا في الخوف ولا في الاندفاع. يمكن للمرء أن يطوّر عمله بهدوء عبر التجربة التدريجية، كأن يختبر أسلوبًا جديدًا مع مشروع صغير أو عميل معتاد قبل تعميمه. المهم أن تبقى الشفافية قائمة، فالعملاء يقدّرون الصدق أكثر من الكمال، وعندما يشعرون أنك تتطور لتحسّن تجربتهم لا لتغامر باسمك، يتحول التطوير من مخاطرة إلى ثقة إضافية.

مثلا إذا أردت استخدام خوارزمية جديدة لتحليل البيانات أو تصميم واجهة مبتكرة، أطبقها أولًا على نموذج بيانات صغير أو صفحة اختبارية من الموقع، وأراقب النتائج مباشرة. أشارك العميل فقط بالنتيجة النهائية بعد أن أثبتت التجربة نجاحها، وكأنها جزء من التطوير الطبيعي للمشروع. فهكذا أبتكر و أسلم جودة محسنة و أكسب ثقة العميل .