هذا يطرح سؤالًا عميقًا عن حدود الواقع والخيال في عالمنا الرقمي... أحيانًا ننجذب لمثل هذه الشخصيات لأنها تقدم نسخة مثالية من الحياة بلا مشاكل حقيقية وبشكل جذاب بصريًا وفنيًا البعض يتابعها بدافع الفضول أو الإعجاب بالابتكار بينما آخرون يهربون من ضغوط الحياة الواقعية أو يتسلون بطريقة خفيفة. اليوم لم يعد الأمر يفرق كثيرًا إن كان المؤثر بشريًا أم شخصية رقمية فالمهم هو المحتوى الذي يقدمونه ويشد الانتباه والأكثر إثارة أن هذه الشخصيات من صنع الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي نفسه نتاج ذكاء البشر بمعنى أننا عندما نتابع شخصية رقمية أو وهمية فنحن في الحقيقة نتابع إنتاج إنسان صمّمها وابتكرها
أعتقد ان الأمر كان هكذا طوال الوقت، فحتى المؤثرين البشر الذي يشاركون تفاصيل يومية من حياتهم لا يشاركون الا جانب واحد أغلبه مزيف من حياتهم، فهل هناك فارق كبير بين أن يكون هذا التزييف من صنع بشر او ذكاء اصطناعي؟ من يتابع هذا النوع من المحتوى عموما لمؤثرين يشاركون كل شيء يقومون به من السفر والأكل في مطاعم فارهة وقصة الحب التي يعيشونها غالبا ما يفتقدون هذه الأمور في حياتهم، ومتابعة هذا المحتوى تكون تعمل كمسكن لأحلامهم الضائعة
طبعاً يوجد فارق كبير! لأن فكرة متابعة قردة على مواقع التواصل حتى لو كانت تلبس ملابس أنيقة وتقول "صباح الخير" هي كارثة بكل المقاييس، وتنم عن تدهور ذوقي جماعي وخمول فكري مقلق! على الأقل حين نتابع بشراً هناك شيء من الواقع، من المشاعر، من العيوب الحقيقية، أما أن نختار طوعاً أن نتابع تزييفاً صنعه تزييف، فهنا نحن لا نبحث عن التسلية ولا الإلهام، بل نحقن أنفسنا بواقع مزور مئة بالمئة، وكأننا نقول "خدعونا وسعدنا بالخديعة".
ألا يمكن أن يكون هذا هو بالضبط ما يريده الناس؟ الناس متعبون من تعقيدات البشر الحقيقيين، من عيوبهم، من خذلانهم. هم يريدون علاقة آمنة، علاقة مع شخصية لن تخيب أملهم أبدا، لن تجرحهم، لن تتغير عليهم. القردة الرقمية تقدم لهم هذه العلاقة المثالية والآمنة.. هذا هو الواقع المؤسف جدا يا بسمة 🤷🏻♂️وهكذا ينظر الناس للأمر، وتكوين علاقات مع شاتجبتي هو اكبر دليل على ان الناس ترى هذا شيء طبيعي ومقتنعة به
لكن هذا ليس مبررًا للهروب من العلاقات الحقيقية! الخطر الحقيقي هو أننا قد ننسى كيف نكون بشراً، كيف نصبر ونتفهم وننمو مع الآخر رغم العيوب والاختلافات. الاعتماد المفرط على علاقات صناعية آمنة، قد يجعلنا أقل قدرة على التواصل الإنساني، ويضعف مهاراتنا العاطفية والاجتماعية، لنستيقظ يوماً فنجد أننا محاطون بأشخاص لكننا لا نعرف كيف نحبهم أو نحتملهم، وهذه كارثة حقيقية لا يقدر الذكاء الصناعي على إصلاحها.
بالطبع، العلاقات الحقيقية بدأت تضعف مع اول دخول للتكنولوجيا والهواتف الذكية، ومع هذا الذكاء الصناعي.. أكيد سيؤثر أكثر، لكن ربما مثلما استغلوا الجانب الاخر للتكنولوجيا والهواتف بتقوية العلاقات مثل مكالمات الفيديو وكذا، ربما نجد حلا للذكاء الصناعي ايضا يخفف هذه الوطأة بالنظر لجانب اخر فيه
انظر أيضا إلى مجتمع الأوتاكو، هم منهمكين بكل تفصيلة إضافية عن لوفي ورفقته أو ناروتو وابنته أو غير ذلك، وكذلك نحن نتابع أخبار جون ويك وأي ظهور جديد له في السينما، وهناك أبطال في السينما هم قردة مثل قردة طرزان أو طرزان نفسه، ومثل كينج كونج. بالفعل الأمر كان هكذا طوال الوقت.