قد لا يكون الفقر مرتبط بشكل مباشر بالجريمة لكنه بالتأكيد يساهم في خلق مناخ مناسب للجرائم، فما يترتب على الفقر يتمثل في انخفاض جودة التعليم، ورداءة الثقافة العامة، وانخفاض الدخل الأساسي للمواطن، فإذا أردنا أن نخفض معدل جريمة في مكان ما بالتأكيد الفقر هو واحد من أهم المشاكل التي يجب أن نبدأ بحلها..
الفقر هو المحرك الأكبر لمعظم الانحرافات، وهو مبرر للسرقة من وجهة نظري.
حين يكون الجيب فارغًا، والمعدة خاوية، والأبواب كلها مغلقة، يصبح الكلام عن "المنظومة" و"القيم" رفاهية يصعب أن تُسمع في زحام الحاجة.
الفقر لا يخلق الجريمة تلقائيًا، لكنه يضع الإنسان على الحافة. وحين تتراكم الضغوط الاقتصادية مع غياب الدعم، يصبح الانزلاق إلى السرقة أو العنف خيارًا أقرب من التمسك بالمثالية التي تكلّف جوعًا أطول.
نعم، هناك شعوب فقيرة تقل فيها معدلات الجريمة، لكن ذلك غالبًا لأن فقرها موزّع بعدل، أو لأن روابطها الاجتماعية متينة تكفل الجائع، أو لأن القانون يحمي الضعيف قبل أن يعاقبه.
وقبل أن نطلب من الفقير أن يصبر، علينا أن نجيبه: على ماذا يصبر؟ على جوع أولاده؟ على إذلال طوابير الخبز؟ على العمل بأجر لا يكفي نصف حاجاته؟
نعم أتفق معك أن الفقر عامل مهم يؤثر على الانحرافات والسلوكيات وهو حقيقةً يضع الإنسان أحيانًا على حافة اتخاذ خيارات صعبة لكني في مساهمتي لم أقل إن الفقر ليس سببًا بل أردت أن أوضح أن الفقر يُستخدم أحيانًا كـ "مبرر" أو ذريعة لبعض الأشخاص الذين يرتكبون جرائم أو سرقات رغم أنهم ليسوا في حاجة حقيقية
ففي مجتمعات كثيرة نجد من يسرق رغم توفر الإمكانيات لديه... بدافع الطمع أو الرغبة في التملك أو أسباب أخرى ويُقال في النهاية إن الفقر هو السبب وهذا تبسيط للمشكلة الفقر قد يكون سببًا عند البعض لكنه ليس المبرر الوحيد أو الحصري لكل الانحرافات
فعلاً لا يمكن أن نطالب الفقير بالصبر دون أن ندرك حجم المعاناة التي يمر بها جوع الأولاد وذل الانتظار في طوابير الخبز وأجر العمل الذي لا يكفي لسد الحاجات كلها ابتلاءات صعبة
لكن الصبر والاحتساب في مثل هذه المحن هما من أسباب التخفيف والنجاة والله سبحانه وتعالى يثيب الصابرين على ما يصبرون
واقع الفقر أحيانًا يفرض على الإنسان ظروفًا صعبة قد تجعله يقع في الأخطاء وهذا يؤكد ضرورة تضافر الجهود المجتمعية للتخفيف من هذه المعاناة وعدم تحميل الفقير وحده مسؤولية ما يمر به
هناك نقطة مهمة جدًا، مفهوم الفقر يختلف من مجتمع إلى آخر، فالفقر مع وجود أي قوت يومي، قد يحمي من انتشار معدلات الجريمة، لأن كلا سيعمل للحفاظ على هذا القوت، والفقر لو يعني وجود مصروف يومي بسيط، فهذا مستوى أعلى وارقى، أما الفقر المدقع بمعنى لا طعام ولا ملبس وحياة كلها أمراض، فهؤلاء أيضًا انتشار السرقة بينهم بديهيًا، أعني لما لا يسرق؟ سيخاف من ماذا مثلًا؟
كلامك بعيد نوعا ما عن الواقع، المشكلة أن الفقير الذي ذكرته؛ الذي يصبر على جوع أولاده وعلى إذلال طوابير الخبز والأجر الذي لا يكفي نصف حاجته. هو آخر من تتوقع أن تجده في صفوف السارقين والمنحرفين!
الحقيقة التي لا يمكن تغطيتها بالغربال أن الذين يسرقون ويمارسون العنف... إنما يمارسونه لأغراض حيوانية دنيئة مثل شراء المخدرات والخمور والسهرات، ومثل طمعهم في النجاح السريع وشراء سيارة فارهة وكذا وكذا، ومثل إعجابهم بحياة المجرمين والبارونات الفخمة والمتسلطة والمتجبرة...
والفقير الجائع المسكين أبو العيال بريء من ذلك كله، فالمعضلة ليست معضلة جوع على الإطلاق، وإنما هي معضلة حرب دينية وقيمية ممنهجة تمارس على الشعوب لإغراقها في أسفل سافلين.