قد لا يكون الفقر مرتبط بشكل مباشر بالجريمة لكنه بالتأكيد يساهم في خلق مناخ مناسب للجرائم، فما يترتب على الفقر يتمثل في انخفاض جودة التعليم، ورداءة الثقافة العامة، وانخفاض الدخل الأساسي للمواطن، فإذا أردنا أن نخفض معدل جريمة في مكان ما بالتأكيد الفقر هو واحد من أهم المشاكل التي يجب أن نبدأ بحلها..

وماذا تقول في أصحاب الطبقة الأرستقراطية الفاسدين الذين يسرقون وينهبون عشرات الاضعاف ما يسرقه المحتاج أو الفقير ما حجتهم بذلك أم هم مرفوع عنهم القلم وما يأتون به من جرم فهو يحق لهم.

المساهمة تتحدث عن الجريمة ككل ولم تخص جريمة السرقة يدخل ضمن ذلك القتل والاعتداء والاحتيال، كما أن ارتكاب أصحاب الطبقة الارستقراطية للسرقة هي جريمة فردية وليست جريمة مجتمعية..

لكن لماذا نطالب مجتمع بالاستقامة وعدم ارتكاب الجرائم قبل أن نوفر له حياة كريمة وكافية من جميع أساسيات المعيشة؟

من الذي يطالب؟ ومن الذي يوفر؟

الذي يطالب غير الذي يوفر للأسف الشديد، لذلك يجب أن لا نتوقف عن المطالبة لأنهم لا يوفرون. وأظن أن الزمن الذي نحن فيه قل فيه من يموت جوعا فعلا ما عدا أهلنا في غزة نسأل الله أن يفرج كربهم وينصرهم على عدونا وعدوهم.

الفقر ليس مبررا للجريمة، لكنه أحد الأسباب الأساسية مثلما ذكرت.

الفقر الشديد قد يكون مبرر للسرقة، ونذكر على مر التاريخ سنوات تعطلت فيها حدود السرقة بسبب شح الموارد، الإنسان مفطور على حفظ حياته..

لكن بعض الجرائم الأخرى لا يبررها العوز، مثل سرقة الإكراه أو الإضرار بالغير..

كما أن الأغنياء يسرقون حباً للطمع، وقد يرتكبون جرائم أخرى حباً للمرح والخطر..

بالضبط، ما ذكرته فيصل في الموضوع.

الفقر الشديد الذي يكون مبررا للسرقة هو عندما يجوع الناس فعليا فيضطرون لذلك اضطرارا، وهذا بعيد جدا عن واقعنا (ما عدا غزة ومن كان في مثل حالها)

لكن جرائم الإكراه والإضرار بالغير ولأهداف مثل شراء المخدرات... لا يبررها الفقر أبدا (وهي الأكثر انتشارا في الحقيقة، علاقتها بالفقر علاقة غير مباشرة كسبب من الأسباب)

والأغنياء قصتهم قصة أخرى تماما.

وأنا أرد على كلامك الذي ذكرته والحجج التي قلتها.

لا توجد مشكلة أخي، نحن على مجتمع للنقاش لكي نتناقش😃 لو هناك نقطة تود مناقشتها في كلامي سأسعد بذلك..

طيب، سؤال جيد، الطبقة الارستقراطية بها فساد طبعًا، ولا شك في ذلك، هل الغرض مما ذكرته، تبرير السرقة للفقير لأنها عن حاجة؟؟ لأننا من البديهي أن نأخذ جانب الفقير طبعًا، ولكن لو بررنا المفهوم، ألن ننتهي كلنا في غابة "اللي يلحق ينهب؟"

أنا لا أبرر السرقة لأي طرف كان ولكن أرد على كلامه لماذا دائماً الإتهامات تصب على الفقراء في حالة الجريمة بأنهم غير متعلمين ويعيشون في بيئة متوارثة بالجرائم وبنفس الوقت نغض الطرف عن أصحاب الطبقة المخملية في جرائمهم التي منها أصبح الفقر يلتهم الكل بسببهم.

الفقر هو المحرك الأكبر لمعظم الانحرافات، وهو مبرر للسرقة من وجهة نظري.

حين يكون الجيب فارغًا، والمعدة خاوية، والأبواب كلها مغلقة، يصبح الكلام عن "المنظومة" و"القيم" رفاهية يصعب أن تُسمع في زحام الحاجة.

الفقر لا يخلق الجريمة تلقائيًا، لكنه يضع الإنسان على الحافة. وحين تتراكم الضغوط الاقتصادية مع غياب الدعم، يصبح الانزلاق إلى السرقة أو العنف خيارًا أقرب من التمسك بالمثالية التي تكلّف جوعًا أطول.

نعم، هناك شعوب فقيرة تقل فيها معدلات الجريمة، لكن ذلك غالبًا لأن فقرها موزّع بعدل، أو لأن روابطها الاجتماعية متينة تكفل الجائع، أو لأن القانون يحمي الضعيف قبل أن يعاقبه. 

وقبل أن نطلب من الفقير أن يصبر، علينا أن نجيبه: على ماذا يصبر؟ على جوع أولاده؟ على إذلال طوابير الخبز؟ على العمل بأجر لا يكفي نصف حاجاته؟

نعم أتفق معك أن الفقر عامل مهم يؤثر على الانحرافات والسلوكيات وهو حقيقةً يضع الإنسان أحيانًا على حافة اتخاذ خيارات صعبة لكني في مساهمتي لم أقل إن الفقر ليس سببًا بل أردت أن أوضح أن الفقر يُستخدم أحيانًا كـ "مبرر" أو ذريعة لبعض الأشخاص الذين يرتكبون جرائم أو سرقات رغم أنهم ليسوا في حاجة حقيقية

ففي مجتمعات كثيرة نجد من يسرق رغم توفر الإمكانيات لديه... بدافع الطمع أو الرغبة في التملك أو أسباب أخرى ويُقال في النهاية إن الفقر هو السبب وهذا تبسيط للمشكلة الفقر قد يكون سببًا عند البعض لكنه ليس المبرر الوحيد أو الحصري لكل الانحرافات

وقبل أن نطلب من الفقير أن يصبر، علينا أن نجيبه: على ماذا يصبر؟ على جوع أولاده؟ على إذلال طوابير الخبز؟ على العمل بأجر لا يكفي نصف حاجاته؟

فعلاً لا يمكن أن نطالب الفقير بالصبر دون أن ندرك حجم المعاناة التي يمر بها جوع الأولاد وذل الانتظار في طوابير الخبز وأجر العمل الذي لا يكفي لسد الحاجات كلها ابتلاءات صعبة

لكن الصبر والاحتساب في مثل هذه المحن هما من أسباب التخفيف والنجاة والله سبحانه وتعالى يثيب الصابرين على ما يصبرون

واقع الفقر أحيانًا يفرض على الإنسان ظروفًا صعبة قد تجعله يقع في الأخطاء وهذا يؤكد ضرورة تضافر الجهود المجتمعية للتخفيف من هذه المعاناة وعدم تحميل الفقير وحده مسؤولية ما يمر به

هناك نقطة مهمة جدًا، مفهوم الفقر يختلف من مجتمع إلى آخر، فالفقر مع وجود أي قوت يومي، قد يحمي من انتشار معدلات الجريمة، لأن كلا سيعمل للحفاظ على هذا القوت، والفقر لو يعني وجود مصروف يومي بسيط، فهذا مستوى أعلى وارقى، أما الفقر المدقع بمعنى لا طعام ولا ملبس وحياة كلها أمراض، فهؤلاء أيضًا انتشار السرقة بينهم بديهيًا، أعني لما لا يسرق؟ سيخاف من ماذا مثلًا؟

كلامك بعيد نوعا ما عن الواقع، المشكلة أن الفقير الذي ذكرته؛ الذي يصبر على جوع أولاده وعلى إذلال طوابير الخبز والأجر الذي لا يكفي نصف حاجته. هو آخر من تتوقع أن تجده في صفوف السارقين والمنحرفين!

الحقيقة التي لا يمكن تغطيتها بالغربال أن الذين يسرقون ويمارسون العنف... إنما يمارسونه لأغراض حيوانية دنيئة مثل شراء المخدرات والخمور والسهرات، ومثل طمعهم في النجاح السريع وشراء سيارة فارهة وكذا وكذا، ومثل إعجابهم بحياة المجرمين والبارونات الفخمة والمتسلطة والمتجبرة...

والفقير الجائع المسكين أبو العيال بريء من ذلك كله، فالمعضلة ليست معضلة جوع على الإطلاق، وإنما هي معضلة حرب دينية وقيمية ممنهجة تمارس على الشعوب لإغراقها في أسفل سافلين.

عمرك سمعتي عن مليونير سرق سيارة ؟ أو واحد ميسور سرق شوال طحين، سمعتي عن غني تم ضبطه في قضية تحرش بالمواصلات ؟ من قال لك أن الدول الفقيرة ليست الأعلى في الجريمة ؟ أنا عشت في السودان ومالي وجيبوتي والنيجر وليبيا واليمن ولو لم تلتفتي هناك لذراعك لقطعه لص واكله.

نعم الفقر ليس سبب كل جريمة، لكن أكثر المجرمين من الطبقات الفقيرة، الفقر أما تتولد منه حالة الرضا فيخلق بعده السكوت أو الطموح، أو تتولد منه حالة السخط فيخلق العنف والاجرام

قد أتفق معك أن غالبية المجرمين في بعض البيئات هم من الطبقات الفقيرة لكن هذا لا يعني أن الميسور لا يسرق أو لا يرتكب جرائم الفرق أن دوافع الميسور قد تكون مختلفة: الطمع الرغبة في النفوذ أو حتى الشعور بالإفلات من العقاب بينما دوافع الفقير غالبًا مرتبطة بالحاجة

ومع ذلك حصر الجريمة في طبقة واحدة يختزل المشكلة لأن الجريمة موجودة في كل الطبقات لكن بنِسَب وأشكال وأسباب متباينة فالغني يسرق والقول بإن الميسور لا يسرق غير دقيق التاريخ والواقع مليء بأمثلة لأغنياء ومسؤولين ورجال أعمال ارتكبوا جرائم سرقة واختلاس ورشوة بمبالغ هائلة ليس لحاجتهم بل بدافع الطمع أو الرغبة في زيادة ثروتهم

يكفي أن ننظر إلى قضايا الفساد الكبرى حول العالم ستجد أسماء مليارديرات ومسؤولين كبار اختلسوا أموالاً من خزائن الدولة أو استغلوا مناصبهم للسرقة وهم يعيشون حياة رفاهية

الجريمة لا تنحصر في الفقراء لكن شكلها ودوافعها تختلف من طبقة لأخرى الفقير قد يسرق ليسد جوعه أما الميسور فقد يسرق ليزيد رصيده أو نفوذه

أنا لا يخصني الرشوة وسرقة أصحاب المناصب، لأنها لم تكن موضع التركيز في الطرح، بل عن الجريمة المرتبطة بالانحراف والعنف، ولذلك قلت أن الفقر سببها، ولو هناك ميسور فعل فهو من شواذ القاعدة أما الصائب أنها تبدأ كليا من الفقر

أنا لا يخصني الرشوة وسرقة أصحاب المناصب، لأنها لم تكن موضع التركيز في الطرح، بل عن الجريمة المرتبطة بالانحراف والعنف

فعلاً لم تكن موضع التركيز في الطرح لكن أنت من سألتني

عمرك سمعتي عن مليونير سرق سيارة

أحببت أن أؤكد أن الميسور قد يسرق أيضًا وإن كانت دوافعه تختلف عن الفقير

الفقر لا يبرر السرقة والعنف، لأن ما يحكم الإنسان هو الدين، المبادئ، القيم، الأخلاق. وقد كان زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الصحابة (وهو أشرف الأزمان على الإطلاق) يعيش الناس فيه فقرا معروفا في التاريخ، وكان سكان الجزيرة العربية حينها من أفقر الناس حتى أن أحدهم لا يشبع من كسرة الخبز! ونبي الله لم يكن استثناء من ذلك.

ومع ذلك: كم كانت معدلات الجريمة في زمانهم؟ تقترب من الصفر! لماذا؟ لأن ما يحكمهم هو الدين والعلم والأخلاق السامية.

صحيح أن الفقر يزيد من المشكلة، لكن أصل المشكلة ليس الفقر، وإنما هو انحراف المجتمع وانتشار الجهل والآفات فيه.

الاستشهاد بزمن النبوة والصحابة هو حجة قوية جدًا ضد فكرة أن الفقر يؤدي حتمًا إلى الجريمة. أحييك عليها.

لكننا قد نقع في مغالطة "المقارنة الزائفة". فذاك المجتمع لم يكن فقيرا ومتدينا فقط، بل كان مجتمعًا يتميز بوجود آليات تضامن اجتماعي فعالة جدًا لم تعد موجودة بنفس القوة اليوم. كانت هناك "الزكاة" كنظام مؤسسي، و"الصدقة" كقيمة فردية، و"الكفالة" و"حق الجار" كأعراف اجتماعية راسخة. بمعنى، الفقر كان موجودًا، لكن "الجوع" أو "العزلة" التامة كانت نادرة. الفقير لم يكن متروكًا ليواجه مصيره وحيدًا. كانت هناك شبكة أمان اجتماعية ودينية قوية تحتضنه.اليوم.. نحن نعيش في مجتمعات فردانية تفككت فيها الكثير من هذه الروابط. الفقير اليوم ليس فقط فقير مال، بل هو فقير دعم وسند. لذلك المقارنة قد لا تصح تمامًا. حيث أن المشكلة ليست فقط في ضعف الدين عند الفرد وحده بل في غياب منظومة اجتماعية متكاملة كانت متوفرة سابقا. عندما تضعف هذه المنظومة، يصبح عبء الصبر على الفرد أثقل بكثير، ويصبح الانزلاق نحو الجريمة أكثر إغراء مع الأسف..

ما ذكرته من وجود آليات تضامن اجتماعي فعالة هو من الدين!

لست أقصد الدين على المستوى الفردي الاعتقادي فقط، لأن الإيمان هو اعتقاد وعمل! أظن أن ذكرك لجانب التضامن الاجتماعي إضافة للموضوع وليس إثباتا أن المقارنة زائفة.

طبعا معك حق، سواء صلاح الفرد أو المجتمع ككل هو من الدين.

قصدت انها مقارنة زائفة عندما تُُوجه الى الفقير بتحميله كامل اللوم بشكل فردي ( انت فقير وتسرق مع ان فقير مثلك في عصر الصحابة لم يسرق) مثلا، بهذا تكون زائفة لأننا نريده أن يكون نسخة من شيء ولم نوفر له المجتمع او البيئة التي كانت تحيط بذاك الشيء.(طبعا هذا ليس دفاع عن الفقير السارق، إنما هو مخطئ وبيئته أيضا تتحمل جزءا من الخطأ)

نعم معك حق في أنه لا يصح تماما أن نلوم الفقير بشكل فردي، لكن أظن أن نقاشنا هنا عام جدا ويشمل الفرد والمجتمع، وأظن أن المقارنة في مجملها غير زائفة (ربما تصبح زائفة إذا حصرناها في الفرد كما ذكرت)

في أموال الأغنياء حق للسائل والمحروم

لولا تقصير الأغنياء في مساعدة الفقراء ما آلت بهم الأحوال إلى ماهم عليه فالاجرام احيانا نحن من نصنعه ونرمي به الضعفاء