أحيانًا، أعتقد أننا لا نرغب في الأشياء لأنها تناسبنا فعلًا، بل لأن صورتها في خيالنا أجمل من الواقع. الفكرة أن البعيد يمنحك وهم الاحتمال، أما القريب فهو الحقيقة غير القابلة للتغيير، وبكل ما فيها من مسؤوليات وخيبات وتكرار.
وربما في مقولة العرّاب -رحمه الله- إسقاط على ذلك: "لو لم أجازف وأقترب ؛ كنت سأظل أعتقد أن شيئا جميلا قد فاتني,"
أغلبنا هو شخص ظن أن "الوصول" هو الحل، فلما وصل لم يجد شيئًا. لكن المشكلة ليست في الوصول، بل في التوقع. فينا نحن، لا في الطريق. نحن لا نعيش الواقع أبدًا، لأننا تعلمنا من البداية أن الحياة يجب أن تكون مشروعًا مستمرًا نحو "شيء أعظم" حتى لو لم نعرف ما هو.
وهنا النقطة التي لا نحب مواجهتها: الكثير مما نريده ليس لأنه ضروري لنا، بل لأنه يمنحنا هوية وهمية: "أنا الذي يسعى"، "أنا الطموح"، "أنا الحالم".
فنعم، نحب أشياء بعيدة لأنها تلمع فقط من بعيد. ولو اقتربنا، سيتضح أنها مثل كل شيء آخر: عادية. ونحن لا نحتمل أن نعترف بعادية الحياة، فنهرب من حياة عادية إلى حلم آخر… ونعود لنفس الحلقة.
ببساطة لأننا بشر وطموحنا مستمر ولا ينتهي، فإن كان حلمك بيوم هو تخرجك من الجامعة، فسيكون الخطوة التالية العمل والثالثة دراسة الماجستير وهلم جرا، فالوصول لا يعني النهاية فقط ولكن البداية لمرحلة جديدة وهكذا
أعتقد أن الطموح المستمر يمكن أن يكون نعمة ونقمة في نفس الوقت. نعم، من الطبيعي أن نطمح نحو تحسين حياتنا والوصول إلى أهداف جديدة، لكن المشكلة تكمن في أن بعضنا قد يصبح أسيرًا - وأنا منهم - لهذه الطموحات دون أن يعيش اللحظة الحالية. بينما نحن ننتقل من حلم إلى آخر، قد نغفل عن الاستمتاع بما حققناه بالفعل، وكأننا نركض دائمًا نحو هدف بعيد دون أن نلتفت للأشياء الصغيرة التي نملكها الآن. الوصول قد يكون بداية لمرحلة جديدة، لكن إذا كنا فقط نبحث عن "البداية التالية" دون أن نشعر بما أنجزناه، سنظل في حلقة لا تنتهي من البحث عن شيء قد لا يأتي أبدًا.
نعم، اتفق جدا
جزء من عقلي يتفق معك، لكن نظل نتسائل ايضًا في النهاية "كيف نعرف ماذا نريد حقًا؟" هذا السؤال مازال تضليلي جدًا
ربما تكمن الإجابة في الاستماع لصوتنا الداخلي في مواجهة تلك اللحظات التي نشعر فيها بالسلام الداخلي والرضا بعيدًا عن الضغوط. "ماذا نريد حقًا؟" ربما لا يكون سؤالًا نبحث له عن إجابة نهائية، بل رحلة مستمرة نتعلم خلالها كيف نصغي لأنفسنا ونكتشف ما يعطينا السعادة الحقيقية.